فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 90231 من 466147

فأما إساءة الظن به عز اسمه من غير إمارة ظاهرة وسبب معروف فمذمومة فرق ما بينهما وبالله التوفيق.

فإن عارض معارض في الطيرة بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - إذ كان يصلي على جنازة، فجاءت امرأة معها مجمر فما زال يصيح بها حتى توارت بآجام المدينة، فهل إلا التطير للميت بالنار؟

فالجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلّم - لم يتطير له بالنار، ولكنه بفأل تصرفها عنه أن صاح بها فانصرفت وتوارت وأمل من الله تعالى أن يصرف النار عنه في الآخرة بدعائه كما صرفها عنه في الدنيا بندائه والله أعلم.

وله وجه آخر غير هذا.

وهو أن هذا ليس من الطيرة إنما الطيرة أن يعيذ بما يعيذ بما يرى أو يسمع مثلاً بمكروه ولا يناسب بينه وبين المرئي أو المسموع، ولا يعلق له به.

فأما المجذوم نفسه يعاين في حال الإشفاق منه، أو ما يشبهه فيكره هذا غير الطيرة فإن رجلاً لو خرج من منزله يريد سفراً، فرأى دابة أريد ركوبها أو الحمل عليها، فهربت راجعة إلى إربها، فقال: هذا يدل على أن خرجت احتجت إلى أن أولي هارباً لم يكن هارباً لم يكن هذا من الاستدلال الذي يجوز أن يعمل به، لأنه ليس في هرب الدابة هذه الدلالة، ولا هربها كان أبصرته وإنما كان لأنف المكان.

ولكنه لو خرج فرأى واحداً كان مسافراً إلى البلد الذي يريده لمثل غرضه، فمات، فرد إلى بيته، فكره ما رأى وخطر بقلبه منه شيء لم يلم على هذا، لأن الذي رآه عين المحذور ونفس المظنون.

والناس في طبائعهم متقاربون، والأسفار سبب للمشاق والحوادث، والأهوبة والبلدان والمياه مختلفة، فقد يوافق بعضها قوماً، ولا يوافق غيرهم.

فإن خشي الذي ذكرناه أن يصيبه في سفره ما أصاب مثله لم يكن مبعداً في ظنه.

فكذلك الميت ليس يخشى عليه إلا النار.

والنيران كلها متناسبة، فإذا اتبع النار نفسها كان ذلك مما ينبغي أن يكره، وما يعرض في القلب من ذلك يتوافق لما جبلت القلوب عليه، فلا يستحق به ملام ولا عتب والله أعلم ومن هذا الباب ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه كره الشكال في الخيل، وذلك أن تكون ثلاث من قوام الفرس محجلة، وواحدة مطلقة كسائر البدن.

وذلك إنما كان بهذه الصفة كأنه المشكول والمشكول لا يستطيع المشي، فكانت مشاهدة هذه الصفات كمشاهدة الشكال، وكرهت ما يكره الشكال إلا في وقته وحينه، حتى إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت