ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلّم - إنما ظاهر بين درعين ولبس المغفر لأن الله تعالى أخبره أنه يعصمه من الناس على أثر قوله {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} فكان الظاهر أنه وعده العصمة بما يمنعه من التبليغ وهو القتل والأخذ والحبس ولم يدخل في جملته الجرح والكسر، متحصن ما لم يستيقن العصمة منه ولم يخل في تحصنه من ذلك مما بينه الله تعالى ووصفه لمثله، في مثل ما نزل به من الأوضاع المعروفة المعهودة، وليتوكل في تحصنه بها.
فأما تجريد المتوكل عن السبب بإثبات الله تعالى فخلاف لفعل النبي - صلى الله عليه وسلّم - .
(فصل)
وإن سأل سائل عما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: الطيرة شرك وما منا إلا يجده، لكن الله تعالى يذهبه بالتوكل»
وقوله مع ذلك «فر من المجذوم فرارك من الأسد» وقوله: «الشؤم في ثلاثة: المرأة والدار والفرس» ونهيه الرجل أن يسمى عنده يسار وأفلح ونجاح ورباح لئلا يقال: هاهنا يسار، وهاهنا نجاح.
فقال: وقوله لرجل: «ما اسمك؟ فلما قال: حزن، قال له: أنت سهل» .
وما جاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان يعجبه الفأل الحسن.
فقال: ما الفرق بين ما جاء عنه من هذه الأقوال، وبين ما نهى عنه من التطير ومن الشؤم والتمن بالفأل الحسن؟
فالجواب - وبالله التوفيق - التطير قبل الإسلام كان من وجوه منها:
ما كان يحكى عن العرب من زجر الطير وإزعاجها عن أوكارها عند إرادة الخروج للحاجة فإن مرت على اليمين تفاءلت به ومضت لوجهها، وإن مرت عن الشمال تشاءمت به وقعدت وكانوا يتطيرون بصوت الغراب ويناولونه البين.
وكانوا يستدلون بمجاوبات الطير بعضها بعضاً على أمور بأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك.
وهكذا الظباء إذا مرت سانحة، ويقولون إذا برحت مساء بالسانح بعد البارح وسموا هذا وما شابهه تطيراً، لأن أمور ذلك عندهم وأكثره كان ما يقع لهم من قبل الطير فسموا الجميع تطيراً من هذا الوجه.
ومنها ما يحكى عن الأعاجم أنهم كانوا يتشاءمون عند الخروج بالغداة برؤية الصبي يذهب به إلى المعلم، ويتيمنون إذا خرجوا للحاجة ورأوا صبياً يرجع من عند المعلم إلى بيته.
ويتشاءمون برؤية السقاء وعلى ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة ويتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل، والدابة الموقرة، ويتيمنون بالحمال الذي وضع حمله ويحكى، والدابة التي حط عنها حملها.