ويدل على هذا أيضاً أن الله تبارك وتعالى أخبر عن موسى صلوات الله عليه أنه قال لقومه: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فأثنى الله على الذين قالوا هذا، واقتصه علينا إشارة لما كان منهما فدل على أن مجرد التوكل لا يعني إذا كان التسبب المباح أو المفروض لا مجرداً عنه والله أعلم.
ويدل على ما قلنا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ظاهر يوم أحد بين درعين ولبس المغفر يوم دخول مكة، ولا يخلو ذلك قبل نزول قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أو بعده.
فإن كان ذلك قبله فقد احتاط وتوكل وانتهى إلى ما بينه الله تعالى للناس وجعله لهم سبيل التحصين والاحتراز، حيث قال في قصة داود صلوات الله عليه: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} ولم يبرز للقتال مكتشفاً متوكلاً وإن كان ذلك بعد نزول العصمة، فلقد تأول أن الله تعالى قد أخبره أنه يعصمه، ولم يخبره بماذا يعصمه، وأنه آتاه درعين والمغفر ومكنه من لبسهما فلا يحتاج أن يلقى العدو بارزاً متجرداً، فذاك من عصمته له فليعتصم.
فهكذا ينبغي لمن أوجب الله تعالى في مال غيره الكفاية وابتلاه بالحاجة أن يعلم أن ذلك كفاية من الله تعالى إياه فليكتف بها، وليتعرض لها دون أن يلزم مكانه ولا يعلم أحداً بحاله، ويزعم أنه متوكل.