وقول نوح صلوات الله عليه لقومه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي} .
الآية إلى آخرها، خارج على أنه لم يكن مأموراً بالهجرة ولا ممكناً من القتال، وإنما كان فرضه الصبر على ما يلقاه من الأذى، وقد كان الله تعالى أعلمه ما هو فاعل بقومه، وقال له: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} .
فتوكل على الله في صبره، ووثق بأنه لا يخلفه وعده.
وقال لقومه: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} وكذلك هود صلوات الله عليه إنما قال لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} الآية، لم يكن مأموراً بأكثر من مصابرتهم، ولعل الله تعالى كان أخبره أنه يعصمه ويشفي منهم صدره، فلذلك اقتصر على الصبر، ولو كان واحد من النبيين صلوات الله عليهم مأموراً بالقتال أو الهجرة، لما حل له أن يلزم الصبر، وإن أضمر التوكل بأن كان لا يسعه إلا أن يفعل ما أمر به ويتوكل كما بينا والله أعلم.
وقصة يعقوب صلوات الله عليه دليل بين على هذا، فإنه قال لبنيه: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}
فنهج لهم من الاحتراز في العين نهجاً وأمرهم به، ثم توكل على الله في دفع ما خاف عليهم ولم يفرد التوكل عن بعض وجوه الاحتراز التي وصفها الله تعالى.
فدل على صحة ما قلنا.