وأجمعوا على أن رجلاً لو طلبه حربي أو سلطان جائر، أو فتاك داعر، لم يكن له أن يقعد برصد أو يتعرض له وحده بلا سلاح ولا آلة، وإن فعل ذلك ومعه جماعة يعينونه حل ذلك له إذ كان مع ما وصفنا متوكلاً على الله تعالى في إعانته وإعانة الذي معه على ما يريده بظلم فإن رجلاً لو وضع ماله في صحن داره وترك الباب مفتوحاً أو على الباب للنهب والفتنة، فدخل داخل داره، وأخذ ماله كان مضيعاً لماله، ولو كان ذلك وديعة لغيره عنده يضمنه، ولم يكن في شيء مما ذكرنا متوكل.
فعلمنا أن كل ما بين الله تعالى لعباده فيه طريقاً فسبيلهم أن يسلكوه ويتوكلوا عليه في سلوكه، لا أن يعرضوا عنه ويزعموا أنهم متوكلون عليه مع مفارقتهم وضعه وأمره، وانتهائهم إلى ما لم يأذن لهم فيه والله أعلم.
وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} فأخبر أن الملائكة يوبخون الذين يقيمون ببلد لا ينفد لهم فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتذرين بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، ويقولون: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فلو كانوا إذا تصبروا وهم مستضعفون فاقتصروا على التوكل من غير هجرة معذورين، أو كان ذلك أفضل لهم لما عاتبتهم الملائكة على مقامهم.
فإن الملائكة لا توبخ من كان آثر الأفضل واختاره والله أعلم.
وكل ما ذكرنا في الآيات التي كتبناها من ذكر الصبر مع التوكل نحو قوله عز وجل: {الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وقوله: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون المراد من صبر حين لم يكن له وجه إلا الصبر.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - في أول أمره مأموراً بالصبر، فلم يكن يلزمه يومئذ غيره، ولكنه لما أمره وقفوا الصبر إلى الهجرة ثم يضم إلى الهجرة ثم يحره الصبر وإن استشعر في نفسه التوكل المراد من صبر على مجاهدة الأعداء أو الصبر على الهجرة التي أمر بها واحتمل جهدها ومشقتها، متوكلاً على الله - عز وجل - في أن الحسن أمانته ويكفيه ما أهمه وليس واحد منهما قادحاً في أصلنا بحمد الله ومنه.