فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 90220 من 466147

ومن يؤتى ما ليس عنده فيلقيه، فليكن هذا دليلاً على أن تناول الطعام الحاضر والمقصد إليه ليس بجواب على المحتاج إليه، وليكن ما قلناه دليلاً على أن التصبر لا معنى له، وإلا فقد وقف الأمران موقفاً واحداً، فيحتاج إلى الفصل بينهما، فنقول - وبالله التوفيق - إن الله تعالى هو الذي وضع المكاسب للناس فأباحها لهم، وهو الذي قرض على الأغنياء أن يواسوا المحتاجين، وعلى المستطيعين أن يعينوا اللهفان، وينصروا المظلوم ويأخذوا على يدي الظالم ويكفوه وهو الذي فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يملك ضياعاً فيشغلها، ويغزو فيغنم، فيأخذ من الغنيمة حقه، وهو الذي خلق الأدواء، والأدوية، وعلم المعالجات وهدى إليها وأباح التطبيب والقبول عن الأطباء، فأرسل الله رسوله - صلى الله عليه وسلّم - وأذن لغيره بالرقية بل هو في الآكل بها.

وحكى الله عن موسى - صلى الله عليه وسلّم - أنه سقى لبنتي شعيب صلوات الله عليهما، ثم تولى إلى الظل فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي إني لما سقته لي من خير بما عرضتني إليه من العمل لمن تأجرني عليه فقير، فكان من أمره ما كان.

ووجدنا من يخالفنا ويقول بقطع الأسباب، ويزعم أنه إذا نزلت به حاجة لم يتسبب إلى نجاحها بشيء سوى أن يصير متوكلاً على الله متوقعاً منه أن يظفره بحاجته لأن السبب قد لا ينجح، وهو يعلم أن بصبره قد يخلف فلا ينجح، كما أن تسبب المسبب قد يخلف فلا ينفع.

ألم تر لقوله من هذا الوجه رجحاناً على خلافه، ولكن وجدنا المتسبب أبين عدداً من غيره، لأنه أن يصدر باحتباس حاجته بعد أن يسبب إليها بأقصى ما قدر عليه، فلم يجز مع ذلك أن يوصف بجر الضرر إلى نفسه.

فالمتجرد الصبر إذا تضرر باحتباس حاجته عند لم يأمن أنه لو ترك التصبر إلى التسبب لم يلحقه الضرر الذي لحقه فعلمنا أنه يترك التسبب مخاطر، ووجدنا المتسبب جامعاً بين السبب المأمور أو المأذون فيه.

وبين التوكل في نسبه، وذلك منه طاعة، ولزم الحجة وختم التوكل إليها، المتصبر المعرض عن الأسباب راد للسبل المشروعة على الله جل جلاله بالغيث، بزعمه أنها قد تنجح وقد لا تنجح، ومقتصراً على التصبر الذي يلزمه ما أكرم غيره في التسبب، فعلمنا أن المتسبب المتوكل في تسببه أثقل حالاً من المتصبر الرافض لما جعل له من الأسباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت