فقالت بأبي أنت وأمي، قد أتانا الله تعالى بشيء فخبأته لك، فقال: «هلمي» ، فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهتت، وعرفت أنها بركة من الله عز وجل، فحمدت الله جل ثناؤه وصلت على نبيه - صلى الله عليه وسلّم - .
فقال: «من أين لك يا بنية» ؟ فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فحمد الله - عز وجل - وقال: «الحمد لله الذي جعلك الله يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل» ، فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى شيئاً فسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إلى علي ثم أكل وفاطمة والحسن والحسين وجميع أزواج النبي - صلى الله عليه وسلّم - وأهل بيته حتى شبعوا.
قالت فاطمة وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت منها على جيراني، وجعل الله - عز وجل - فيها بركة وخيراً كثيراً».
فأما ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» فقد يحتمل أن يكون أراد بهم العاطين عن أحوال النار، وما فيها من الأسباب المعدة لدفع الآفات والعوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، ولا يعرفون فيما ينزل بهم ملجأ إلا الدعاء والاعتصام بالله عز وجل.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أكثر أهل الجنة البله عن شهوات الدنيا وزينتها، والحبائل التي الشيطان فيها» وقال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِناتِ} فقيل: أراد الغافلات لما يرمين به من الفحشاء لا يتفكرون فيها ولا تخطر بقلوبهن، فلا تكون من همهن.
فكذلك هؤلاء الذين أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في هذا الخبر هم الغافلون من طب الأطباء ورقي الرقاة فلا يحسنون منها شيئاً إلا الذين يحسنونها فلا يستعملونها.
والدليل على صحته أن سيد المتوكلين رسول رب العالمين يروى عنه أنه اكتوى من الكلم الذي وقع بوجهه يوم أحد، وكوى سعد بن زرارة من الشوكة، وأمر أبي بن كعب أن يكتوي من سهم أصابه يوم بدر، فدل ذلك على أن الاكتواء الذي وصفه الله تعالى فلا يستشفى به مع التوكل على الله في أن موقعه موقع النفع. ويشفى به.
أفضل من التوكل بلا اكتواء ولا غيره من صروف المعالجات.