وأيضاً قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «وجعل رزقي تحت ظلال رمحي» فلو كان انتظار الرزق بالصبر، والصمت أفضل من طلبه بما أذن الله تعالى فيه لما حرم الله تعالى على رسوله أفضل الوجهين وعرضه لإرغامه.
وجاء في الأخبار، قال أبو هريرة رضي الله عنه بينا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما جالسان، إذ جاء النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقال لهما: «ما أخرجكما؟ قالا: الجوع، خرجنا نبغي شيئاً، فقال: والذي بعثني بالحق أنه الذي أخرجني فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن نبهان وهو من الأنصار فرحب بهم وقدم إليهم رطباً بارداً وماء بارداً» .
فدل هذا الحديث على أن من احتاج إلى طعام فلم يجده ولم يعلم أحد حاله كان عليه أن يخبر بحاله من يظن أن عنده وقاء بغيرها لا أن يسكت ويتصبر.
وقال أصحاب الصفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «لقد لبثت أنا وصاحبي بضعة عشر يوماً بلا طعام إلا البربير، والله لو أجد الخمر واللحم لأطعمنكم، ولكن لعلكم تدركون أو من يدرك منكم، يلبسون مثل أستار الكعبة وتروح الخفان، وتغدو عليكم وأنتم اليوم خير منكم يومئذ أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض» .
ففي هذا الحديث أن أصحاب الصفة لم يصبروا على المجاعة حتى أعلموا من أملوا أن يغير أحوالهم.
فلم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، ولكنه أجابهم بما سئل عنه.
فدل ذلك على أن طلب ما تقع الحاجة إليه ليس بمضاد للتوكل إذا كان الطالب لا يطلب إلا متوكلاً على الله تعالى في أن إظفاره بمطلوبه إن شاء الله في حديث آخر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أياماً لم يطعم الطعام حتى شق ذلك عليه، فطاف على منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة رضي الله عنها - فقال: «يا بنية، هل عندك شيء آكله فإني جائع» .
فقالت: لا والله بأبي أنت وأمي.
فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - من عندها بعثت لها جارة برغيفين وبضعة لحم.
فأخذته منها ووضعته في جفنة لها وغطت عليها.
وقالت: والله لأوثرن بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - على نفسي من عندي، وكانوا جميعاً محتاجين شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، فرجع إليها.