وبأنه قال: «الذي عرض أن يعالجه من زيادة رآها بظهره طبيبها الذي خلقها» .
وبأنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «أبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون» .
وبأنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» .
وبأنه - صلى الله عليه وسلّم - قال لعبد الله بن مسعود: «لا تكثر همك، فما تقدر يكن وما ترزق يأتك» .
وبأن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: حكاية عن الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء إن خيراً أو شراً» .
واحتجوا أيضاً بقصة مريم عليها السلام، وقول الله جل ثناؤه: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنًّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
وإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «انتظار الفرج من عند الله عبادة» وبأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه مرض فقيل له: ألا ندعوا لك طبيباً؟ فقال: قد رآني الطبيب، فقالوا ما قال؟ قال لي.
إني فعال لما أريد، وإن أبا الدرداء رضي الله عنه مرض فقيل له، ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي.
فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة.
فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب، فقال: هو أضجعني.
واحتجوا أيضاً بأنا وجدنا كثيراً من الصابرين المتعففين يفعلون، وكثيراً من المرضى يعالجون فيموتون، وكثيراً منهم لا يعالجون فيبرأون، وكثيراً من الناس يدخلون المفازة بلا زاد فيرزقون، وكثيراً منهم يدخلونها بأزواد فتذهب ويرقأون.
وكثيراً من الناس يبتلون بالسلطان الجائر والسبع فيسلمون، وكثيراً منهم يضطربون في طلب الخلاص فلا يجدون.
فعلمنا مدار هذه الأمور على مشيئة الله تعالى وحدها، فكان التوكل فيها أحق من غيره، وأولى بالسلم مما سواه.
واحتج الآخرون بأن الله تعالى قال للحجاج وهم زواره ووفوده: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أي فإن خير الزاد ما عاد على صاحبه بالتقوى.
وهو أن لا يتكلوا على أزواد الناس ويضيقون عليهم، ومن دخل البادية بلا زاد متوكلاً، فإنما يرجو أن يقيض الله تعالى له من يواسيه من زاده، وهذا عين ما أشارت الآية إلى المنع منه.
فبان أنه لا معنى لاستحبابه.
وإنما المستحب هو التزود، والحارس إذا لم يكن زاد حتى يكون.