لِتَقَدُّمِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَأَعْمَالِ الْعُمْرَانِ فِيهَا ، وَلَوْلَا هَذَا لَكَانَ ذَلِكَ الْمُلْكُ الَّذِي وَسَّعُوا دَائِرَتَهُ بِالْفُتُوحَاتِ أَثْبَتَ فِي نَفْسِهِ وَلَهُمْ ، وَلَكَانَ شَأْنُ الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ ، وَانْتِشَارُهُ أَكْثَرَ وَأَعَمَّ ، عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِبْدَادَ مِنْهُمْ قَدْ كَانَ مُعْظَمُهُ مَصْرُوفًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى سُلْطَتِهِمْ وَبَقَاءِ الْمُلْكِ فِي أُسْرَتِهِمْ ، قَلَّمَا يَتَسَرَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْإِدَارَةِ وَالْقَضَاءِ . وَكَانَتْ حُرِّيَّةُ انْتِقَادِ الْحُكَّامِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ عَلَى كَمَالِهَا حَتَّى تَبَرَّمَ مِنْهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَنْ قَالَ لِي اتَّقِ اللهَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ - كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُؤَرِّخِينَ - وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِأَهْوَائِهِمْ فِي الْغَالِبِ ، وَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى وَارِثِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ قَوْمِهِ ، فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ .
ثُمَّ رَسَخَتِ السُّلْطَةُ الشَّخْصِيَّةُ فِي زَمَنِ الْعَبَّاسِيِّينَ لِمَا كَانَ لِلْأَعَاجِمِ مِنَ السُّلْطَانِ فِي