وَكَانَتْ تِلْكَ الْمَدَّةُ الْقَلِيلَةُ الَّتِي عَاشَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مَبْدَأَ دُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا . وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ سَيَنْمُو وَيَزِيدُ وَأَنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ لِأُمَّتِهِ الْمَمَالِكَ ، وَيُخْضِعُ لَهَا الْأُمَمَ وَقَدْ بَشَّرَهَا بِذَلِكَ . فَكُلُّ هَذَا كَانَ مَانِعًا مِنْ وَضْعِ قَاعِدَةٍ لِلشُّورَى تَصْلُحُ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي عَامِ الْفَتْحِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي الْعَصْرِ الَّذِي يَتْلُو عَصْرَهُ إِذْ تُفْتَحُ الْمَمَالِكُ الْوَاسِعَةُ وَتَدْخُلُ الشُّعُوبُ الَّتِي سَبَقَتْ لَهَا الْمَدَنِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ فِي سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْقَوَاعِدُ الْمُوَافِقَةُ لِذَلِكَ الزَّمَنِ صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَنٍ وَالْمُنْطَبِقَةُ عَلَى حَالِ الْعَرَبِ فِي سَذَاجَتِهِمْ مُنْطَبِقَةً عَلَى حَالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَى حَالِ غَيْرِهِمْ ، فَكَانَ الْأَحْكَمَ أَنْ يَتْرُكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضْعَ قَوَاعِدِ الشُّورَى لِلْأُمَّةِ تَضَعُ مِنْهَا فِي كُلِّ حَالٍ مَا يَلِيقُ بِهَا بِالشُّورَى .