وَأَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُعَرَّفُ هُنَا هُوَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ الْمُضَافُ إِلَيْهِمْ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى الَّتِي وُضِعَتْ لِلْحُكُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي سُورَةِ الشُّورَى الْمَكِّيَّةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَهْلُ هَذَا الدِّينِ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [42: 38] فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ أَمْرُ الْأُمَّةِ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْحُكَّامُ عَادَةً ; لَا أَمْرُ الدِّينِ الْمَحْضِ الَّذِي مَدَارُهُ عَلَى الْوَحْيِ دُونَ الرَّأْيِ ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْمَسَائِلُ الدِّينِيَّةُ كَالْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِمَّا يُقَرَّرُ بِالْمُشَاوَرَةِ لَكَانَ الدِّينُ مِنْ وَضْعِ الْبَشَرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَضْعٌ إِلَهِيٌّ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ رَأْيٌ لَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَعْدَهُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ - كَانُوا لَا يَعْرِضُونَ رَأْيَهُمْ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسَائِلِ الدُّنْيَا إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَالَهُ عَنْ رَأْيٍ لَا عَنْ وَحْيٍ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، إِذْ جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ فَنَزَلَ عِنْدَهُ فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ:"يَا رَسُولَ اللهِ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ فَقَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلٍ ، فَانْهَضْ"