ويمكن أن تعد (لا) في زيادتها ابتداء مثل (ألا) الاستفتاحية، ومثل (يا) حين تدخل على ما لا ينادى، نحو قوله تعالى: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} [يس: 26، 27] ، وجعل (يا) مزيدة هنا للتنبيه أولى من جعلها للنداء، وجعل المنادى محذوفًا؛ لأن ذلك يعفي من ثقل الحذف والتقدير لغير حاجة، ثُمَّ إنَّ النداء دعاء واستقبال، والحذف إعراض وإغفال.
هكذا دار القول على (ما) و (لا) حين لا تتَّصل بِها الفاء، وهكذا كان الخلاف بين القائلين بزيادتهما والمنكرين لها.
ومثال (لا) التي تتصل الفاء بها قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} ، وكان الظن - وقد اتَّصلَتِ الفاء بِها - ألا يكون في زيادتها خلاف بين القائلين بالزيادة في القرآن، لكنا نرى أبا حيان - وهو لا ينكر الزيادة على إطلاقها - يذهب في تأويل الآية مذهبًا غريبًا؛ ليجنِّبَها الزيادة، مع أنَّه كان من القُرَّاء، وقضى شطرًا من حياته يأخذ بمذهب أهل الظاهر، فهو حقيق أن يكون أكثر تحفظًا، وأقل أخذًا بالتأويل في دراسة النصوص، ولا سيما القرآن، ولكن هذا ما كان.
قال أبو حيان: إن أصل {فَلَا أُقْسِمُ} فلأقسم، كما كانت في قراءة الحسن، لكن أشبعت فتحة اللام فصارت (لا) ، كما أشبعت فتحة الراء في قول القائل:
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ.
وكما أشبعت كسرة الهمزة في قراءة: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] ، ثم نظر فإذا الفعل (أقسم) غير مؤكد، وهو هنا واجب التوكيد، فلم يكن بد من أن يقول: إن التقدير: فلأنا أقسم؛ ليصير الكلام خبرًا لا إنشاء، كما قال ابن جني في تخريج قراءة الحسن [27] .
ولا أدري كيف طوَّعتْ لأبي حيَّان نفسه أن يَحتجَّ لقراءة الجمهور بشذوذ قراءة وضرورة شعر، ولا كيف استجاز أن يأخذ فيها بتخريج ابن جني لقراءة الحسن، وهو يعلم أن ابن جني إنما يتكلم عن واقع من الأمر، فقراءة (فلأقسم) مروية هكذا بلا تأويل، أما أبو حيان فيقيم تخريجه على أساس من التوهم والافتراض.