فقد فهم الرجل من مقالة امرأته حين سمعها وهو يضرب الولد غير ما فهمه منها حين سمعها وهما بين يدي القاضي، شغله الغيظ من ابنه والانهماك في ضربه عن الانتباه إلى الصوت الذي أرسلته صاحبته في النون، فوقع في وهمه أنها تنفي نسب الولد عنه حقًّا، لكنها لما أعادت الكلمة على ما قالتها تبين أنها إنما أرادت أن تصرفه إلى ما هو أنكى من السخط على ابنها رحمة به، وإبقاء عليه.
يمكن أن يقال إذًا: إن الزيادة والحذف من أصول العربية المقررة، وإن العرب لم تكن تأخذ بهما عبثًا، ولكن لفضل معنى، والزيادة هي التي تعنينا في هذا المقام.
ويقول الزركشي عن ورودها في القرآن نقلاً عن الطرطوسي: الدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن، وقد وجد ذلك على وجه لا يسع إنكاره [19] .
فلا علينا أن نقول: إن في القرآن زيادة، كما أن في اللغة زيادة، ويؤيدها هذا الذي يقوله جمهور العلماء: إن القرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين، وقد تحدى الله العرب أن تأتي بشيء من مثله، وإنما يكون التحدي على بابه إذا كان بين النظائر والأشباه، وإلا انفسح مجال العذر لمن لا يطيقه أن يعتل بأنه تحدٍّ غير منصف ولا جاد.
ولأمر ما كان ابن عباس يرجع إلى الشعر في تفسير القرآن، ويستشهد به في المساءلات التي كانت تقع بينه وبين مسائليه، كالذي نراه في مساءلة نافع بن الأزرق، وقد أورد السيوطي أكثرها في"الإتقان" [20] ، ولعلَّ استشهاد ابن قتيبة في كتابه"تأويل مشكل القرآن"، ثم استشهاد غيره من المفسرين في كتبهم إنما كان عن محاكاة لابن عباس واقتداء به.
وما أرى الاستشهاد للقرآن بالشعر إلا ضربًا من الاحتجاج لإعجازه، وتثبيت معنى الإعجاز في النفوس؛ لأنه يدل على أن عجز العرب عن الإتيان بشيء من مثله لم يكن لخلاف بين لغتها ولغته، ولكن لأنه الكلام لا يتسامى إليه أو يدنو منه إنس ولا جان.
آن لنا بعد هذا التطواف البعيد أن ننتقل إلى القرآن الكريم، نستشرفه في أفقه الأعلى، لعلنا واجدون هنالك ما يؤيد وقوع الزيادة فيه.