ويمكن أن يعد من هذا القبيل حذف التنوين من (حسرة) في آية {يَا حَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ} [يس: 30] ، ومن كلام ابن جني في الاحتجاج لها:"العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتمدته، ولا معتزمة عليه أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه، وذلك كقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط:"
قُلْنَا لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ = لاَ تَحْسَبِينَا قَدْ نَسِينَا الإِيجَافْ
معناه: وقفت، فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها" [15] ."
وكما تحذف العرب من اللفظ المفرد أحيانًا فإذا هو على شبه من الإيجاز في العبارة - تزيد في أحرفه، أو في صوت حرف منه أحيانًا أخرى، فإذا هو أيضًا على شبه من الإطناب في العبارة.
ففي أسلوب الندبة تزيد على آخر المندوب ألفًا، فتزيد بها من صوت التفجع أو التوجع، إعلامًا جهيرًا بحرقة الحزن، أو شدة الألم، ثم هي تزيد الهاء أيضًا بعد الألف حين الوقف، إشباعًا للمد، وذهابًا به إلى مدى بعيد.
ويعلل ابن الزملكاني لدلالة (لا) على نفي البعيد، ودلالة (لن) على نفي القريب، فيقول: (لا) آخره ألف، والألف يمكن أداء الصوت به، بخلاف النون [16] .
بل ربما قام مد الصوت في كلمة إلى أبعد من حدوده مقام الوصف بصفة تزيد من معناها، فقد قال سيبويه:"إنهم يقولون: سير عليه ليل، يريدون: ليل طويل، وهذا إنما يفهم بتطويل الياء، فيقولون: سير عليه ليل، فقامت المدة مقام الصفة" [17] .
وكانوا ربما عمدوا إلى حرفٍ ليس من حروف المد، فمطلوا حركته حتى يجعلوا منه حرف مد؛ لزيادة معنى على الكلمة التي مطلت حركة الحرف فيها.
فقد رووا أنَّ رجلاً ضرب ابنًا له، فقالت له أمه: لا تضربه، ليس هو ابنك، فرافعها إلى القاضي فقال: هذا ابني عندي، وهذه أمه تذكر أنه ليس مني، فقالت المرأة: ليس الأمر على ما ذكره، وإنما أخذ يضرب ابنه، فقلت له: ليس هو ابنك، ومدت فتحة النون جدًّا، فقال الرجل: والله ما كان فيه هذا المطل [18] .