قالوا: وكانت الرومُ والفرسُ لا يجمعون وزراءَهم على الأمر يستشيرون فيه، وإنّما كانوا يستشيرون الواحدَ منهم من غير أن يعلم الآخرُ به؛ وذلك لمعانٍ: منها أن لا يقعَ بين المستشارينَ منافسةٌ تذهب بأصالةِ الرأيِ وصحة النظرِ، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التّنافسَ والتّغالبَ والطَّعن من بعضهم على بعض، وربّما أشار أحدُهم بالرأيِ الصوابِ وسبق إليه فحسَدَه الآخرون فتَعقبّوه بالإعراضِ والتأويلِ والتهجينِ وكدّروه وأفسدوه ومنها أنّ في اجتماعِهم على المشورةِ تعريضَ السّرِّ للإضاعة والإفشاءِ والإذاعةِ ولذلك قالت الفرس: إنّما يُراد الاجتماعُ والكثرة والتآصُرُ في الأمور التي يُحتاج فيها إلى القوة، أمّا الأمورُ الغامضة فإنّ الاجتماع يُفسدُها ويولِّد فيها التضاغُنَ والتنافسَ ...
وجاء في كتابٍ للهِنْد: أنّ ملكاً استشار وزراءَ له، فقال أحدهم:
الملكُ الحازم يزداد برأي الوزراء الحَزَمَةِ كما يزداد البحر بموادِّه من الأنهارِ وينال بالحَزْمِ والرأيِ مالا يناله بالقوة والجنود؛ وللأسْرارِ منازلُ، منها ما يدخل الرهطُ فيه، ومنها ما يُستعان فيه بقومٍ، ومنها ما يُستغنى فيه بواحدٍ وفي تحصين السرّ الظفرُ بالحاجة والسلامةُ من الخلل، والمستشير وإن كان أفضلَ رأياً من المُشير فإنّه يزدادُ برأيه رأياً كما تزداد النارُ بالسّليطِ ضَوْءاً؛ وإن كان الملك محصِّناً لسرَّه بعيداً من أنْ يُعرف ما في نفسه مُتخيّراً للوزراء مَهيباً في أنفُسِ العامة كافياً بِحُسنِ البلاء لا يخافُه البَريء ولا يأمنُه المُريب مُقدِّراً لِما يفيدُ ويُنفق، كان خليقاً لبَقاءِ مُلْكِه. ولا يصلح لسِرِّنا هذا إلا لِسانانِ وأرْبعُ آذانٍ. ثمَّ خَلا به ...
وبعدُ فإنّ دولةَ الاستبدادِ قد أديلَ مِنها في هذه الأجيالِ وشالَ أمرُها في الميزان، ورَجَحَتْ كفَّةُ الشُّورى ونَفَقَتْ سوقُها، وخَطتْ في عصرنا هذا خطواتٍ رغيبةً موفَّقةً، وعمَّتْ أكثر الأمم التي أعْرَقت في الحضارة، وظهر أنَّ مجالسَ الشورى على عِلاتها هي خَيْرُ ألوان الحكم، ومَن الذي يقول إنّ الاستبدادَ أو الحكم المطلقَ الذي لا رِقبة عليه هو أفضلُ من الشورى أياً كان لونُها! اللهم إلا رَجُلٌ أحْمقُ مأفون ليس بثاقبِ الرأي، وإذا كانت الشورى لا تَعْرى من العُيوب فأين لا أين الخير مَحْضاً والكمال صرفاً ... انتهى انتهى {الذخائر والعبقريات، للبرقوقي} ...