ولما سار سيّدُنا رسولُ اللهِ إلى قريشٍ في غَزاةِ بدرٍ نزل صلى الله عليه وسلم أدنى ماءٍ من مياه بدر، فقال له الحباب بنُ المُنذر: يا رسول الله، أرأيْتَ هذا المنزلَ أمَنْزِلٌ أنزَلَكَه اللهُ عزَّ وجل ليس لنا أن نتقدَّمه ولا أن نتأخّرَ عنه، أمْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحربُ والمكيدة؛ فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليسَ لك بمَنْزل، فانْهضْ بالناس حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من مياه القوم فنَنْزلَه، ثم نُعَوِّرَ ما سواه من القُلْبِ، ثمَّ نبني عليه حوضاً فنَملأه ماءً، ثم نقاتلَ القومَ فنشربَ ولا يشربوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقدْ أشَرْتَ بالرأيِ وفعل ما أشار به الحُباب.
وفي حديث أبي هريرة: ما رأيْتُ أحداً أكثرَ مشورةً لأصحابِه من النبيّ صلى الله عليه وسلم...
أقول: وإنّما كان يشاورُهم - كما قال علماؤنا - فيما ليس فيه نَصٌّ، وفي أمور الدّنيا، ومَنْ ظنَّ أنه كان يشاورُهم في الأحكام فقد غَفَلَ غفلةً عظيمةً كما قال الأئمة، وكذلك إنّما كانت المشاورة قبل العزمِ والتبيُّن، فإذا عزم الرسول لم يكن لبشرٍ التَّقدُّمُ على الله ورسوله، قال العلماء: فلقد شاور النبيّ أصحابَه يوم أحُدٍ في المُقام والخُروج، فرأوا له الخروجَ، وكان صلواتُ الله عليه يرى أن يقيمَ بالمدينة فيقاتلَهم فيها، فما زالوا برسولِ الله حتّى لبِس لأْمَتَه فلما لبِسها نَدِموا وقالوا: يا رسول الله أقمْ فالرأيُ رأيُك، فلم يَمِلْ إليهم بعد العزْمِ وقال: لا ينبغي لنبيٍّ يلبس لأْمَتَه أن يضعَها حتّى يحكمَ الله... . وكذلك كان الخلفاء الراشدون يَستشيرونَ الأمناءَ من أهل العلم في الأمور التي لم يكن فيها نَصٌّ بحكمٍ معين ليأخذوا بأيسرها، فإذا وضح الكتاب والسنّة لم يتعدَّوْه إلى غيره، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه أمرٌ نظر فإن وجد في كتاب الله أو سُنّة رسوله ما يقضي به قضى وإلا دَعا رؤوس المسلمينَ وعلماءَهم واستشارهم، وكذلك كان يفعل الفاروق وسائر الخلفاء رضي اللهُ عن الجميع