فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 90111 من 466147

ويُروى: أنّ زيادَ بنَ أبيه كتب إلى معاويةَ: يا أمير المؤمنين، قد ضبطْتُ لك العراق بشِمالي وفرغَتْ يميني لطاعتِك، فولِّني الحجازَ، فبلغَ ذلكَ الرجلَ الصالحَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضي الله عنه، - وكان مُقيماً بمكة - فقال: اللهمَّ اشْغلْ عنّا يمينَ زياد، فأصابه الطاعونُ في يمينه، فجمع الأطباءَ واستشارَهم، فأشاروا عليه بقَطْعِها، فاستدعى القاضي شُرَيْحاً وعرضَ عليه ما أشار به الأطِبَّاء، فقال: لك رزقٌ معلومٌ، وأجلٌ محتومٌ، وإنّي أكره إنْ كانت لك مدّة أنْ تعيشَ في الدنيا بلا يمين، وإنْ كانَ قد دنا أجلُك أن تلقى ربَّك مقطوعَ اليدِ، فإذا سألك لِمَ قطعْتَها قلتَ: بُغْضاً في لقائِك، وفِراراً من قضائِك، فمات زيادٌ من يومِه، فلامَ الناسُ شُرَيْحاً على منعه من القطع، لبُغْضِهمْ زياداً، فقال: إنّه استشارَني والمُستشارُ مؤتمن.

ولولا الأمانةُ في المشورة لَوَدِدْتَ أن تُقطعَ يدُه يوماً ورجلُه يوماً وسائرُ جسدِه يَوْماً يوماً... ...

(الاستبداد وكراهة المشورة)

ومن الناس من آثر الاستبدادَ برأيِه وكَرِه أنْ يستشيرَ، قال المُهلّب بن أبي صفرة: لو لمْ يكنْ في الاستبدادِ بالرأيِ إلا صونُ السِّرِّ وتوفيرُ العقل لوجب التَّمسُّكُ به...

وقال عبد الملك بن صالح: ما اسْتَشَرْتُ أحداً قطٌّ إلا تكبَّرَ عليَّ وتصاغَرْتُ له، ودخلَتْه العِزّةُ ودَخلَتْني الذِّلَّةُ، فعليكَ بالاسْتِبْدادِ، فإنَّ صاحبَه جليلٌ في العُيون، مَهيبٌ في الصُّدورِ، واعْلمْ أنّكَ مَتى اسْتَشَرْتَ تَضَعْضَعَ شأنُك، ورَجَفَتْ بكَ أركانُك؛ وما عزَّ سلطانٌ لم يُغْنِه عقلُه عن عقولِ وزرائِه، وآراءِ نُصَحائه؛ فإيّاك والمشورةَ وإنْ ضاقَتْ عليكَ المذاهبُ، واشتبَهَتْ لديكَ المَسالك.

ورَوَوْا: أنّ أبا جعفرٍ المنصور كان يَستشيرُ أهلَ بيتِه حتّى مدَحَه ابْن هَرْمة بقوله:

يَزُرْنَ امْرأً لا يُصْلِحُ القومُ أمْرَه ... ولا يَنْتَجي الأدْنَيْنَ فيما يُحاوِلُ

فاستوى جالِساً وقال: أصبْتَ واللهِ! واستعادَه، وما اسْتَشار بعدها.

وقال بعضُ جُلساءِ هارونَ الرشيد. أنا قتلتُ جعفرَ بنَ يحيى البَرْمكي وذلك أنّي رأيْتُ الرشيدَ وقدْ تَنفَّسَ تَنفُّساً مُنكراً فأنشدت في إثْر تَنَفُّسه:

واسْتَبدَّتْ مَرّةً واحِدةً ... إنّما العاجِزُ مَنْ لا يَسْتَبِدْ

فأصْغى إليه واسْتَعادَه، ثم قتل جعفراً... .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت