واعلم أنّ الأيام تأتي على كلّ شيء فتخلق الأفعال، وتمحو الآثار، وتميت الذكر، إلّا ما رسخ في قلوب الناس، لمحبّة تتوارثها الأعقاب. فاجتهد أن نظفر بالذّكر الذي لا يموت، بأن تودع قلوب الناس محبّة يبقى بها ذكر مناقبك، وشرف مساعيك. ولا ينبغي للمدبّر أن يتخذ الرعية مالا وقنية، ولكن يتّخذهم أهلا وإخوانا. ولا ترغب في الكرامة التي تنالها من العامّة كرها، ولكن التي تستحقّها بحسن الأثر وصواب التدبير».
قيل: بلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك آخر، فكتب إليه: «قد بلغت من حسن السياسة ما لم يبلغه ملك، فأفدني: ما الذي بلّغكه؟» فكتب
إليه: «لم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعيد، واستكفيت للكفاية، وأثبت على الغناء لا على الهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت، وودّا لم يشبه كذب، وعمّمت بالقوت، ومنعت الفضول» .
قيل: لما أراد الإسكندر الخروج إلى أقاصي الأرض قال لأرسطا طاليس:
اخرج معي قال: قد نحل بدني، وضعفت عن الحركة، فلا تزعجني. قال:
فأوصني في عمّالي خاصة. قال: انظر من كان منهم له عبيد فأحسن سياستهم.
فولّه الجند، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فولّه الخراج.
عن عوانة قال: قال زياد بن أبيه: ما غلبني معاوية في شيء من أمر السياسة إلّا في شيء واحد، وذاك: أنني استعملت رجلا على دست ميسان، فكسر الخراج ولحق بمعاوية، فكتبت إليه أسأله أن يبعثه إليّ، فكتب إليّ:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنه ليس ينبغي لمثلي ومثلك أن نسوس الناس جميعا بسياسة واحدة: أن نشتدّ جميعا فنخرجهم، أو نلين جميعا فنمزجهم ولكن تكون أنت تلي الفظاظة والغلظة، وأكون أنا ألي الرأفة والرحمة فإذا هرب هارب من باب، وجد بابا فدخل فيه. والسلام» .
قال بعض الحكماء: منازل الرأي أربعة: التقدّم في الأمر قبل حلوله، فإن قصّر فيه فالجدّ عند وقوعه، فإن قصّر عن ذلك فالسّعي في التخلّص منه، فإن قضر فيه فليس إلا بذهاب الزمان الذي يذهب بنفع صواب الرأي.
روي أنّ بعض ملوك الفرس سأل حكيما من حكمائهم: ما شيء يعزّ به
السلطان؟ قال: الطاعة. قال: فما سبب الطاعة؟ قال: التودّد إلى الخاصّة، والعدل على العامّة. قال: فما صلاح الملك؟ قبل: الرفق بالرعيّة، وأخذ الحق منهم في غير مشقّة، وأداؤه إليهم عند أو انه، وسدّ الفروج، وأمن السّبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، وأن لا يفرط القويّ على الضعيف. قال: فما صلاح الملك؟ قال: وزراؤه أصوله فإن هم فسدوا فسد وإن صلحوا صلح.