وقالوا: إن الأحقاد مخوفة حيث كانت، وأشدّها ما كان في أنفس الملوك فإن الملوك يدينون بالانتقام، ويرون الطّلب بالوتر مكرمة. فلا ينبغي للعاقل أن يغترّ بسكون الحقد، فإنما مثله في القلب ما لم يجد محرّكا مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطبا. ولا يزال الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبتغي النار الحطب فإذا وجد علّة استعر استعار النار، فلا يطفئه ماء ولا كلام ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرّع، ولا شيء دون الأنفس.
وقد قيل: أحزم الملوك من لم يلتمس الأمر بالقتال، وهو يجد إلى غير القتال سبيلا، لأن النفقة في القتال من الأنفس وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من الأموال والقول.
وقالوا: أضعف حيل الحرب اللقاء. وصرعة اللين والمكر أشدّ استئصالا للعدوّ من صرعة المكابرة. والحازم إذا نابه الأمر العظيم المفظع الذي يخاف منه الجائحة المخوفة على نفسه وقومه: لم يجزع من شدّة يصبر عليها، لما يرجو من حميد عاقبتها، ولم يجد لذلك مسّا، ولم يشمخ بنفسه عن الخضوع لمن هو دونه، حتى يبلغ حاجته ومقصوده، وهو حامل لغبّ أمره، لما كان من رأيه وحسن اصطباره.
وقال الشاعر:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا، وإن كانت قريبا أواصره
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك قدرة ... وصمّم إذا أيقنت أنّك فاقره
كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر: «إنك قد أصبحت ملكا على ذوي جنسك، وأوتيت فضيلة الرئاسة عليهم، فممّا تشرّف به رئاستك وتزيدها نبلا: أن تستصلح العامّة، لتكون رأسا لخيار محمودين، لا لشرار مذمومين. ورئاسة الاغتصاب وإن كانت تذمّ لخصال شتّى فإنّ أوّل ما فيها من المذمّة أنها تحطّ قدر الرئاسة. وذلك: أنّ الناس في سلطان الغاصب كالعبيد لا كالأحرار، ورئاسة الأحرار أشرف من رئاسة العبيد، ومن تخيّر رئاسة العبيد على رئاسة الأحرار كمن تخيّر رعي البهائم على رعي الناس، وهو يظن أنّه قد أصاب وغنم. فحال الغاصب فيما يركب من الغصب هذه الحال لأنه يطلب محلّ الملك وشرفه، وليس شيء أبعد من شرف الملك من الاغتصاب، لأن الغاصب في شكل المولى، والملك في شكل الأب اللطيف. وممّا يضع قدر الرئاسة ما كان يصنع ملك فارس: فإنه كان يسمي أباه وكلّ أحد من رعيته: «عبيدا» . والرئاسة على الأحرار والأفاضل خير من