عهد بعض الملوك إلى وصيّه فقال: كن بالحق عمولا قؤولا، وعما جهلت سؤولا، وافحص عن الأمور تنجل، واستبطن أهل التقوى وذوي الأحساب، تزن نفسك وتحكم أمرك. وإياك وقبول التزكية فيما لا تشكّ أنك فيه مكذوب، فإنّها خدعة تتبعها صرعة. ولا تختصّ بسرك إلّا من يكتمه، ولا تولّ أمرك إلّا من يهمّه، ولا تثق برجل تتّهمه، ولا تعوّد لسانك الخنا وكثرة التألّى، ولا تكلّف نفسك مالا تقوى عليه، وإذا هممت بخير فعجّله، وإذا هممت بخلافه فتأنّ فيه، وارحم ترحم.
وعهد آخر إلى وصيّه فقال: اتّق من فوقك، يتّقك من تحتك وكما تحبّ أن يفعل بك فافعل برعيتك، وانظر كل حسن فالزمه واستكثر من مثله، وكلّ قبيح فارفضه وبالنّصحاء يستبين لك ذلك، وخيرهم أهل الدين وأهل النظر في العواقب. ولا تستنصح غاشّا، ولا تستغشّ ناصحا فربما غشّ العاقل إذا وتر أو حرم أو كان ضعيف الورع. ولكل طبقة مهنة، وكل ذي علم بأمر فهو أولى به. وإنما رأيت آفة الملوك في ثلاثة أمور، فاحسم عنك واحدا وأحكم اثنين:
اتباع الهوى، وتولية من لا يستحق، وطيّ أمور الرعية عن الراعي، فإنك إن ملكت هواك لم تعمل إلّا بالحقّ، وإن ولّيت المستحقّ كان عونا لك على ما يجب، ولم تضع الأمور على يديه. وإذا تناهت إليك الأمور
من أمور الرعية على حقائقها، عاش الوضيع، وحذر الرفيع، وأمسك الظّلوم، وأمن المظلوم.
قال كسرى: إني ضبطت ملكي بأني لم أهزل في أمر ولا نهي قط وأعطيت للغناء لا للرضى، وعاقبت للأدب لا للغضب، وصدقتهم الوعد والوعيد، وعممت بالعدل والإنصاف، وكففت يدي عن دمائهم وأموالهم إلّا بحقها.
وغضب كسرى على رجل من أصحابه فأمر بحبسه وقطع ما كان جاريا عليه، فقال له بزرجمهر: إن الملوك تؤدّب بالهجران، ولا تعاقب بالحرمان.
لما قدم محمد بن عبد الله بن خالد أذربيجان أميرا عليها جاء قوم إلى كاتبه، فقالوا له: هاهنا أموال قد أخفيت، وحقوق قد بطلت. فكتب الكاتب بذلك رقعة إلى الأمير، فأجابه الأمير في ظهرها: أجر الناس على دواوينهم، وما صحّ من قوانينهم، واعلم أني ما وردت الناحية لإحياء الرسوم الرديّة، والاستماع من سقّاط الرعية، فلا تركن إلى الفضول، وتدع الذي توجبه العقول، فإنما هي أيام تمضي، ومدة تنقضي فإما ذكر جميل، وإما خزى طويل. وإياك وقول جرير:
وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
واعمل على أن يكون الدّعاء لنا لا علينا.