ولا تحسب الشورى عليك غضاضةً ... فإنّ الخوافى رافدٌ للقوادم
وآذن من القربى المقدّم نفسه ... ولا تشهد الشورى أمرءًا غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يوتّد بقائم
فإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
أنشدني الأعرابي:
وأنفع من شاورت من كلّ ناصحاً ... شفيقاً فأبصر بعدها من تشاور
وليس بشافيك الصّديق ورأيه ... غريبٌ ولاذو الرّأى والصّدر واغر
وقال بكر بن أذينة:
ولا أشير على من لاّ يشاورني ... إذا طوى ذات يومٍ أمره دوني
قال أكثم بن صيفي: المشورة مادة الرأي.
قال ابن هبيرة لبعض ولده: ولا تشر على مستبدّ، ولا على عدوّ، ولا على متّلون، ولا على لجوج، ولا تكون أول مستشار، ولا أول مشير، وإياك والرأي الفطير، وخف الله في المستشير، فإن التماس موافقه لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
قال سليمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تقطع أمراً حتى تشاور مرشداً فإنك إذا فعلت ذلك لم تندم.
كان يقال: من اجتهد رأيه وشاور صديقه، قضى ما عليه.
قال عمر بن العاص: ما نزلت بي قطّ عظيمةٌ فأبرمتها حتى أشاور عشرةً من قريش مرتين فإن أصبت كان الحظّ لي دونهم، وإن أخطأت لم أرجع على نفسي بلائمة.
قال بعض الأعراب:
خليليّ ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان
أأركب صعب الأمر إنّ ذلوله ... بنجران لا يقضى بحين أوان
وأظن هذين البيتين من الأعرابي القائل:
لقد هزئت منّى بنجران إذ رأت ... مقامي
في الكبلين أمّ أبان
كأن لم تر قبلى أسيراً مكبلاً ... ولا رجلاً يرمى به الرّجوان
وقد تمثل بهذا البيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكتب به إلى بعض أمرائه وقضاته.
كان يقال: أمران جليلان لا يصلح أحداهما إلاّ بالتفرّد، ولا يصلح الآخر إلا بالتّعاون، الملك والرّأى، فإن استقام الملك بالشركاء استقام الرأي بالاستبداد، وهذا لا يكون أبداً.
قال صالح بن عبد القدوس
وإن باب أمرٍ عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه
وإن ناصح منك يوماً دنا ... فلا تنأ عنه ولا تقصه
قال الأحنف: اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولّد منه الصّواب، وتجنّبوا منه شدة الحزم، واتّهموا عقولكم، فإن فيها نتائج الخطأ، وذمّ العاقبة.
كان يقال: خذ الأمر مقلا، فشرّ الرأي: الدّبريّ.
قال الشاعر، وهو القطاميّ:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا