ويقع أن التوكل على قدر العلم بالوكيل، فكل من كان أتم معرفة كان أتم توكلاً، ومن كمل توكله غاب في رؤية الوكيل عن رؤية توكله، ثم إن قوة المعرفة تفيد صرف العلم بالعدل في القسمة، وأن الأقسام نصبت بإزاء المقسوم لهم عدلاً وموازنة، فإن النظر إلى غير الله لوجود الجهل في النفس، وكل ما أحس بشيء يقدح في توكله يراه من منبع النفس، فنقصان التوكل يظهر بظهور النفس، وكماله يثبت بغيبة النفس، وليس للأقوياء اعتداد بتصحيح توكلهم وإنما شغلهم في تغييب النفس بتقوية مراد القلب، فإذا غابت النفس انحسمت مادة الجهل فصح التوكل والعبد غير ناظر إليه، وكلما تحرك من النفس بقية يرد على ضميرهم سر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} (العنكبوت:42) فيغلب وجود الحق الأعيان والأكوان، ويرى الكون بالله من غير استقلال الكون في نفسه، ويصير التوكل حينئذ اضطراراً، ولا يقدح في توكل مثل هذا المتوكل ما يقدح في توكل الضعفاء في التوكل من وجود الأسباب والوسائط، لأنه يرى الأسباب مواتاً لا حياة لها إلا بالتوكل، وهذا توكل خواص أهل المعرفة. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...