وَرُبَّمَا أَبْطَرَتْهُ الْمُشَاوَرَةُ فَأُعْجِبَ بِرَأْيِهِ فَاحْذَرْهُ فِي الْمُشَاوَرَةِ فَلَيْسَ لِلْمُعْجَبِ رَأْيٌ صَحِيحٌ وَلَا رَوِيَّةٌ سَلِيمَةٌ، وَرُبَّمَا شَحَّ فِي الرَّأْيِ لِعَدَاوَةٍ أَوْ حَسَدٍ فَوَرَّى أَوْ مَكَرَ فَاحْذَرْ الْعَدُوَّ وَلَا تَثِقْ بِحَسُودٍ.
وَلَا عُذْرَ لِمَنْ اسْتَشَارَهُ عَدُوٌّ أَوْ صَدِيقٌ أَنْ يَكْتُمَ رَأْيًا وَقَدْ اسْتُرْشِدَ وَلَا أَنْ يَخُونَ وَقَدْ اؤْتُمِنَ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُسْتَشِيرُ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دُرَيْدٍ:
وَأَجِبْ أَخَاكَ إذَا اسْتَشَارَكَ نَاصِحًا ... وَعَلَى أَخِيكَ نَصِيحَةً لَا تَرْدُدْ
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشَارَ إلَّا فِيمَا مَسَّ، وَلَا أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالرَّأْيِ إلَّا فِيمَا لَزِمَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَأْيُهُ مُتَّهَمًا أَوْ مُطْرَحًا، وَفِي أَيِّ هَذَيْنِ كَانَ وَصْمَةً.
وَإِنَّمَا يَكُونُ الرَّأْيُ مَقْبُولًا إذَا كَانَ عَنْ رَغْبَةٍ وَطَلَبٍ، أَوْ كَانَ لِبَاعِثٍ وَسَبَبٍ. رَوَى أَبُو بِلَالٍ الْعِجْلِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إذَا اسْتُشْهِدْتَ فَاشْهَدْ، وَإِذَا اسْتُعِنْتَ فَأَعِنْ، وَإِذَا اسْتُشِرْتَ فَلَا تُعَجِّلْ حَتَّى تَنْظُرَ» .
وَقَالَ بَيْهَسٌ الْكِلَابِيُّ:
مِنْ النَّاسِ مَنْ إنْ يَسْتَشِرْكَ فَتَجْتَهِدْ ... لَهُ الرَّأْيَ يَسْتَغْشِشْك مَا لَا تُبَايِعُهْ
فَلَا تَمْنَحَنَّ الرَّأْيَ مَنْ لَيْسَ أَهْلَهُ ... فَلَا أَنْتَ مَحْمُودٌ وَلَا الرَّأْيُ نَافِعُهْ انتهى انتهى {أدب الدنيا والدين، للماوردي} ...