وَهَذَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ أَبْلَغُ، وَعِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ أَوْضَحُ، وَإِنْ كَانَتْ الشُّورَى فِي خَطْبٍ قَدْ اسْتُبْهِمَ صَوَابُهُ، وَاسْتُعْجِمَ جَوَابُهُ، مِنْ أُمُورٍ خَافِيَةٍ وَأَحْوَالٍ غَامِضَةٍ لَمْ يَحْصُرْهَا عَدَدٌ وَلَمْ يَجْمَعْهَا تَقْسِيمٌ وَلَا عُرِفَ لَهَا جَوَابٌ يَكْشِفُ عَنْ خَطَئِهِ وَصَوَابِهِ. فَالْأَوْلَى فِي مِثْلِهِ انْفِرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِفِكْرِهِ، وَخُلُوِّهِ بِخَاطِرِهِ، لِيَجْتَهِدَ فِي الْجَوَابِ ثُمَّ يَقَعَ الْكَشْفُ عَنْهُ أَخَطَأٌ هُوَ أَمْ صَوَابٌ، فَيَكُونَ الِاجْتِهَادُ فِي الْجَوَابِ مُنْفَرِدًا وَالْكَشْفُ عَنْ الصَّوَابِ مُجْتَمِعًا؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ فِي الِاجْتِهَادِ أَصَحُّ، وَالِاجْتِمَاعَ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ أَبْلَغُ، فَهَكَذَا.
هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْلَمَ أَهْلُ الشُّورَى مِنْ حَسَدٍ أَوْ تَنَافُسٍ، فَيَمْنَعَهُمْ مِنْ تَسْلِيمِ الصَّوَابِ لِصَاحِبِهِ. ثُمَّ يَعْرِضُ الْمُسْتَشِيرُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ مُشَارَكَتِهِمْ فِي الِارْتِيَاءِ وَالِاجْتِهَادِ فَإِذَا تَصَفَّحَ أَقَاوِيلَ جَمِيعِهِمْ كَشَفَ عَنْ أُصُولِهَا وَأَسْبَابِهَا، وَبَحَثَ عَنْ نَتَائِجِهَا وَعَوَاقِبِهَا، حَتَّى لَا يَكُونَ فِي الْأَمْرِ مُقَلِّدًا وَلَا فِي الرَّأْيِ مُفَوِّضًا، فَإِنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَعَ ارْتِيَاضِهِ بِالِاجْتِهَادِ ثَلَاثَ خِصَالٍ:
إحْدَاهُنَّ: مَعْرِفَةُ عَقْلِهِ وَصِحَّةِ رَوِيَّتِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ عَقْلِ صَاحِبِهِ وَصَوَابِ رَأْيِهِ.
وَالثَّالِثَةُ: وُضُوحُ مَا اسْتَعْجَمَ مِنْ الرَّأْيِ وَافْتِتَاحُ مَا أُغْلِقَ مِنْ الصَّوَابِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ لَهُ الرَّأْيُ أَمْضَاهُ فَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِعَوَاقِبِ الْإِكْدَاءِ فِيهِ، فَإِنَّ مَا عَلَى النَّاصِحِ الِاجْتِهَادُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ النُّجْحِ لَا سِيَّمَا وَالْمَقَادِيرُ غَالِبَةٌ. وَمَتَى عُرِفَ مِنْهُ تَعَقُّبُ الْمُشِيرِ وَكَلَ إلَى رَأْيِهِ، وَأَسْلَمَ إلَى نَفْسِهِ، فَصَارَ فَرْدًا لَا يُعَانُ بِرَأْيٍ وَلَا يُمَدُّ بِمَشُورَةٍ.