ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي فِي مصالح المسلمين ، قال البخاري فِي كتاب الاعتصام من"صحيحه":"وكانت الأئمة بعد النَّبيء صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم ، وكان القُرّاء أصحابَ مشُورة عمَرَ: كُهولاً كانوا أو شُبَّاناً ، وكان وقّافاً عند كتاب الله".
وأخرج الخطيب عن عليّ قال:"قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بعدَك لم يَنزل فيه قرآن ولم يسْمع منك فيه شيء قال: اجمعوا له العابِد من أمّتي واجعلوه بينكم شُورى ولا تقضوه برأي واحد"واستشار أبو بكر فِي قتال أهل الردّة ، وتشاور الصّحابةُ فِي أمر الخليفة بعد وفاة النَّبيء صلى الله عليه وسلم وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده فِي ستَّة عيّنهم ، وجعل مراقبة الشورى لِخمسين من الأنصار ، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتَّشاور ، ويتمثّل لهم فِي كتابه بقول الشاعر (لم أقف على اسمه) :
خَلِيلَيّ ليسَ الرأيُ فِي صَدرِ واحد...
أشِيرا عَلَيّ بالَّذِي تَرَيَانِ
هذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان فِي فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح فِي المساعي ، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور فِي شأنه إذ قال للملائكة: {إني جاعل فِي الأرض خليفة} [البقرة: 30] ، إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات فِي الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة فِي البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه ، فإنّ مقارنة الشيء للشيء فِي أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه ، ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها فِي الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة فِي وقت التكوين.