وردّ هذا أبو بكر أحمدُ بن عليّ الرازي الحنفي المشهور بالجَصّاص بقوله: لو كان معلوماً عندهم أنَّهم إذا استَفرغوا جهدهم فِي استنباط الصّواب عمَّا سُئِلُوا عنه ، ثُمّ لم يكن معمولاً به ، لم يكن فِي ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم ، بل فيه إيحاشُهم فالمشاورة لم تفد شيئاً فهذا تأويل ساقط.
وقال النووي ، فِي صدر كتاب الصلاة من"شرح مسلم": الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار.
وقال الفخر: ظاهر الأمر أنَّه للوجوب.
ولم ينسب العلماء للحنفية قولاً فِي هذا الأمر إلا أنّ الجَصّاص قال فِي كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} ): هذا يدلّ على جلالة وقع المَشُورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنَّنا مأمورون بها.
ومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها.
ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنَّبيء صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان ، قالا: وإنَّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع فِي أمَّته وذلك فيما لا وحي فيه.
وقد استشار النَّبيء صلى الله عليه وسلم أصحابه فِي الخروج لبدر ، وفي الخروج إلى أحُد ، وفي شأن الأسرى يوم بدر ، واستشار عموم الجيش فِي رَدِّ سبي هوازن.
والظاهر أنَّها لا تكون فِي الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر ، وإن كانت اجتهادية ، بناء على جواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم فِي الأمور الشرعية ، فالاجتهاد إنَّما يستند للأدلَّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمَّته لا يستشير فِي اجتهاده ، فكيف تجب الاستشارة على النَّبيء صلى الله عليه وسلم مع أنَّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطأ عليه فإنَّه لا يُقرّ على خطأ باتّفاق العلماء.