والإشارة الثانية أنه قال:"وشاورهم فِي الأمر"آل عمران: 159.
فإذا قيل لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم ، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا أمراً دونه ؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه عليه السلام ، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين.
لما علم الله تعالى ما فِي المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ومساهمته فِي الأمور ، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه ، شرعه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذي الإمرة من أهل ملته. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فِي غزوة ، فأمرهم بالنزول فقال له سعد: يا رسول الله إن كان هذا بأمرك فسمعاً وطاعة ، وإن يكن غير ذلك فليس بمنزل. فسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ارتحلوا! ومن أقبح ما يوصف به الرجال ، ملوكاً كانوا أو سوقة ، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة ، وسنعقد للمشاورة باباً إن شاء الله تعالى.
والخصلة الثالثة ما روى البخاري ومسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله استعملني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده.
والسر فيه أن الولايات أمانات وتصريف فِي أرواح الخلائق وأموالهم ، والتسرع إلى الأمانة دليل على الخيانة ، وإنما يخطبها من يريد أكلها ، فإذا أؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها ، لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت نياتهم ، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي ، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر الذي أنشدناه أولاً.
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الذئاب لها رعاء ؟
وإذا خان أهل الأمانات وفسد أهل الولايات ، كان الأمر كما قال الأول:
بالملح يصلح ما يخشى تغيره ... فكيف بالملح أن حلت به الغير ؟