وذلك لأنهم حينئذٍ ينقطعون إلى الحق ولا يظهر على كل منهم إلا ما فِي مكمن استعداده كما قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، والخطاب فِي كلا الموضعين للمؤمنين ، وقيل: إن الخطاب الأول: للمنافقين ، والثاني: للمؤمنين وأنه سبحانه إنما خص الصدور بالأولين لأن الصدر معدن الغل والوسوسة فهو أوفق بحال المنافقين ، وخص القلوب بالآخرين لأن القلب مقر الإيمان والاطمئنان وهو أوفق بحال المؤمنين وأن نسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب قيل: ولهذا قال سبحانه: {والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [آل عمران: 154] بناءاً على أن المراد به الترهيب والتحذير عن الاتصال بما لا يرضى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمناً لها {إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان} جمع الروح وقواها وجمع النفس وقواها {إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} من الذنوب لأنها تورث الظلمة والشيطان لا مجال له على ابن آدم بالتزيين والوسوسة إلا إذا وجد ظلمة فِي القلب ، ولك أن تبقي الجمعين على ظاهرهما وباقي الإشارة بحاله {وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ} حين استنارت قلوبهم بنور الندم والتوبة {إنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] وبمقتضى ذلك ظهرت المخالفات وأردفت بالتوبة ليكون ذلك مرآة لظهور صفات الله تعالى.
ومن هنا جاء «لو لم تذنبوا لأتى الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» .