كان صلى الله عليه وسلم يتخير فِي خطابه ، ويختار لأمته أحسن ألفاظ وأجملها وألطفها ، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش . إلى أن قال: ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن قول القائل بعد فوات الأمر: لو أني فعلت كذا وكذا . وقال: ( إنها تفتح عمل الشيطان ) . وأرشده إلى ما هو أنفع له من هذه الكلمة ، وهو أن يقول: قدر الله ، وما شاء فعل ، وذلك لأن قوله: لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه ، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة . فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره ، وغير مستقيل عثرته بلو . وفي ضمن لو ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره فِي نفسه ، لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه ، فإن ما وقع مما يتمنى خلافه ، إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته . فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع ، فهو محال ، إذ خلاف المقدّر المقضي محال . فقد تضمن كلامه كذباً وجهلاً ومحالاً . وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت لدفعت ما قدر عليّ . فإن قيل: ليس فِي هذا رد للقدر ولا جحد له ، إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضاً من القدر ، فهو يقول: لو وفقت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر ، فإن القدر يدفع بعضه ببعض ، كما يدفع قدر المرض بالدواء ، وقدر الذنوب بالتوبة ، وقدر العدو بالجهاد ، فكلاهما من القدر . قيل: هذا حق ، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه . وأما إذا وقع فلا سبيل إلى دفعه ، وإن كان له سبيل إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر فهو أولى به من قوله: لو كنت فعلته ، بل وظيفته فِي هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف ، ولا يتمنى ما لا مطمع فِي وقوعه ، فإنه عجز محض ، والله يلوم على العجز ، ويحبّ الكيس ويأمر به . والكيس: هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد فِي معاشه ومعاده ، فهذه تفتح عمل الخير والأمر ، وأما العجز فإنه يفتح