فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص من الآثام فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريمة لمن عرض له داء.
وقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي عليم بأسرارها وضمائرها الخفية التي لا تفارقها فهو القائل إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وهو القائل وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى.
ثم أخبر - سبحانه - عن الذين لم يثبتوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، وبين السبب في ذلك وفتح لهم باب عفوه فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا. وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
وقوله تَوَلَّوْا من التولي ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال وبمعنى الإدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما في قوله - تعالى - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وإذا كان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإعراض كما في الآية التي معنا.
والتولي الذي وقع فيه من ذكرهم الله - تعالى - في الآية التي معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التي أمرهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا بجانب النبي صلّى الله عليه وسلّم بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عند ما اضطربت الصفوف.
ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبي صلّى الله عليه وسلّم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين، وكلهم يفتدى النبي صلّى الله عليه وسلّم بنفسه ويقول:
وجهى لوجهك الفداء ونفسي لنفسك الفداء. وعليك السلام غير مودع.