أى: ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها الله، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى.
قال ابن كثير: يقول - تعالى - ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مشتملون السلاح في حال همهم وغمهم والنعاس في مثل تلك الحال.
دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ فعن ابن مسعود قال: النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان».
وروى البخاري عن أبى طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه».
وقوله نُعاساً بدل من أَمَنَةً أو عطف بيان.
قال الفخر الرازي: واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد:
أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة للنبي صلّى الله عليه وسلّم ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو. ووثوقهم بأن الله منجز وعده.
وثانيهما: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة.
وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم.
ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله».
هذا جانب مما امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعابة، حيث أنزل عليهم النعاس في أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم، وأمانا لنفوسهم.