{إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} ؛ أي: إنما أوقعهم الشيطان في الزلل والخطيئة، بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، لا أنه أمرهم بها {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} ؛ أي: بسبب بعض ما كسبوا، وعملوا من الذنوب، والعصيان، وهو مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بترك المركز والحرص على الغنيمة.
وخلاصة الكلام: أنَّ الرماة الذين أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يثبتوا في أماكنهم ليدفعوا المشركين عن ظهور المؤمنين ما تركوا هذه المراكز إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، واستجراره لهم بالوسوسة؛ فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص فيها الإنسان سهلت استيلاء الشيطان على نفسه، فهم قد انحرفوا عن أماكنهم بتأولٍ؛ إذ ظنوا أنه ليس للمشركين رجعةٌ من هزيمتهم؛ فلا يترتب على ذهابهم وراء الغنيمة فوات منفعة، ولا وقوعٌ في ضرر، ولكن هذا التأوُّل كان سببًا في كل ما جرى من المصائب التي من أجلها ما أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وعلى هذا فالزلل الذي أوقعهم فيه الشيطان هو ما كان من الهزيمة والفشل بعد توليهم عن مكانهم طمعًا في الغنيمة، وهذا التولي هو بعض ما كسبوا.
وفي هذا إيماءٌ إلى سنة من سنن الله تعالى في أخلاق البشر، وأعمالهم وهي أن المصائب التي تعرض لهم في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة إنما هي آثارٌ طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس، وليست ملكةً ولا عادةً لها، بل صدرت هفوة غير متكررة، وهي التي عناها سبحانه وتعالى بقوله: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} وإليها الإشارة بقوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} .