بِالَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ ، فَالْآيَتَانِ وَارِدَتَانِ فِي بَيَانِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي أَخْلَاقِ الْبَشَرِ وَأَعْمَالِهِمْ ، وَهِيَ أَنَّ الْمَصَائِبَ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ وشُئُونِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ إِنَّمَا هِيَ آثَارٌ طَبِيعِيَّةٌ لِبَعْضِ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَنَّ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ تُعَدُّ مُصِيبَةً وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ ، أَيِ الَّذِي مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ - تَعَالَى - بِأَنْ يُعْفَى وَيُمْحَى أَثَرُهُ مِنَ النَّفْسِ ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ وَهُوَ بَعْضُ اللَّمَمِ وَالْهَفْوِ الَّذِي لَا يَتَكَرَّرُ وَلَا يَصِيرُ مَلَكَةً وَعَادَةً . وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ وَالْقَاعِدَةُ فِي بَيَانِ هَذِهِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [35: 45] أَيْ بِجَمِيعِ مَا كَسَبُوا ، فَإِنَّ"مَا"مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُفِيدُ الْعُمُومَ . وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّفْسِيرِ ، وَجَرَيْنَا عَلَى أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَجَمِيعُهَا آثَارٌ طَبِيعِيَّةٌ لِلْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ ، وَقَدِ اهْتَدَى إِلَى هَذِهِ السُّنَّةِ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْغَرْبِ فِي هَذَا الْعَصْرِ .