بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عُوتِبَ فِي هَزِيمَتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عَفَا اللهُ عَنْهُ .
أَمَّا كَوْنُ الِاسْتِزْلَالِ قَدْ كَانَ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ: (بِبَعْضِ) عَلَى أَصْلِهَا وَأَنَّ الزَّلَلَ الَّذِي وَقَعَ هُوَ عَيْنُ مَا كَسَبُوا مِنَ التَّوَلِّي عَنِ الْقِتَالِ ، وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ إِنَّ بَعْضَ مَا كَسَبُوا قَدْ كَانَ سَبَبًا لِزَلَّتِهِمْ ، وَلَمَّا كَانَ السَّبَبُ مُتَقَدِّمًا دَائِمًا عَلَى الْمُسَبِّبِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنْ كَسْبِهِمْ مُتَقَدِّمًا عَلَى زَلَلِهِمْ هَذَا وَمُفْضِيًا إِلَيْهِ . فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ تَوَلَّوُا الرُّمَاةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ
بِالزَّلَلِ الَّذِي أَوْقَعَهُمُ الشَّيْطَانُ فِيهِ مَا كَانَ مِنَ الْهَزِيمَةِ وَالْفَشَلِ بَعْدَ تَوَلِّيهِمْ عَنْ مَكَانِهِمْ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ ، وَيَكُونُ هَذَا التَّوَلِّي هُوَ الْمُرَادَ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا هُمْ جَمِيعُ الَّذِينَ أَدْبَرُوا عَنِ الْقِتَالِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا: مَا كَسَبَ الرُّمَاةُ مِنْهُمْ وَهُمْ بَعْضُهُمْ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ مُدْبِرِينَ عَنِ الْقِتَالِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِ بَعْضِ مَا كَسَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بَعْضُ الرُّمَاةِ ، فَإِنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَرَّ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ وَجَاءُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ حَتَّى أَدْهَشُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ .