قال أبو علي: إنما فَعَلَ ذلك من حيث كانت (إذْ) منتصبةَ المَوْضعِ في الحال، وأنَّ ما بعد (إذْ) لا يكون إلّا جملةً، كما أنّ ما بعد واو الحال لا يكون إلّا جملةً مرَكَّبَةً مِن مبتدأ وخَبَر، كقولك: (مَرَرْتُ بزَيْد، وعمرٌو قائمٌ) .
وقوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} أي: يظنون أنَّ أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مضمَحِلٌّ، وأنّه لا يُنْصر.
وقوله تعالى: {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} . الجاهلية: زَمَان الفَتْرَةِ، قبل الإسلام. والمعنى: إنهم على جاهليتهم في ظنهم هذا. وتقدير الكلام: يَظنُّونَ ظَنَّ أهلِ الجاهلية.
وقوله تعالى: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} أي: ما لنا. استفهام يتضمن الجَحْدَ.
قال الحَسَنُ: يقولون: أُخْرِجْنَا كَرْهًا، ولو كان الأمرُ إلينا ما
خَرَجْنَا وقال الأكثرون: أي: ليس لَنا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ شيء ٌ كما وعدنا، بل هو للمشركين. يقولون ذلك على جهة التكذيب. فقال الله: {إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} ، أي: النَّصْرُ بيد الله عز وجل.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد: القضاء والقدر، والنُّصْرَةُ والشَّهادة. واختلف القرّاء في قوله: {كُلَّهُ} :
فَنَصَبَهُ أكثرُهُم؛ لأن الكُلَّ بمنزلة (أجمعين) ، وجُمَعَ؛ في أنه للإحَاطَةِ والعُمُوم.
ولو قيل: (إن الأمرَ أجْمَعَ) ، لم يكن إلّا النَّصبُ، - كذلك - إذا قال {كُلَّهُ} .
وقرأ أبو عمروٍ بالرَّفْعِ، وذلك أنه لم يُجْرِهِ على ما قَبْلَهُ، ورَفَعَهُ على الابتداء، و {لِلَّهِ} : الخَبَر.
قال الفَرّاءُ: ومثله مِمَّا قُطِعَ مِمَّا قبلَهُ: قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] ، ومِنْ هذا - أيضًا -: ما أجازه سيبويه مِن قولِهِم: (أينَ تَظُنُّ زيدٌ ذاهِبٌ) .