قال المُفسِّرون: إنَّ المشركين لَمَّا انصرفوا يوم أُحُد، كانوا يتوَعَّدُون المسلمينَ بالرجوع، ولم يَأمَن المسلمون كَرَّتَهم، وكانوا تحت الحَجَفِ؛ مُتَأَهِّبِينَ للقتال، فأنزَل اللهُ - تعالى - عليهم - دونَ المنافقين - أمَنَةً؛ فأخذهم النُّعَاسُ.
قال ابن عباس: آمَنَهُم - يومئذ - بِنُعَاس يَغْشاهم بعد خوف، وإنَّمَا يَنْعُسُ مَنْ يَأمَنُ، والخائف لا ينام.
قال أبو طَلْحَة: رَفَعْتُ رَاسِي يوم أُحُد، فَجَعَلْتُ ما أرى أحَدًا مِنَ القوم، إلّا وَهُوَ يَمِيد تحت حَجَفَتِهِ؛ مِنَ النُّعَاس. قال: وكنت مِمَّن
أُلْقيَ عليه النُّعَاس - يومئذٍ - ، فكان السَّيْفُ سقُطُ مِن يدِي فَآخُذُهُ، ثم يَسْقُطُ السَّوْطُ من يدي فَآخُذُه.
وقال أبو إسحاق - في قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} : أي: أعْقَبَكم - بما نالكم مِنَ الرُّعْب - ؛ أنْ آمَنَكم أمْنًا تنامون معه؛ لأنَّ الشَّدِيدَ الخوفِ لا يكاد يَنَام.
والأَمَنَةُ: مصدرٌ، كـ (الأمْنِ) . ومثله من المصادر: (العَظَمَةُ) ، و (الغَلَبَةُ) .
وقال اللِّحْيانيُّ: يُقال: (أَمِنَ فلانٌ، يَأمَنُ، أَمْنًا، وأَمَنَةً، وأَمْنَةً، وأمَانًا) . والنعاس: بَدَلٌ مِنَ (الأمَنَة) .
وقوله تعالى: {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} قُرِئ بالياء والتَّاءِ. فَمَن قرأ بالياء؛ فلأن النُّعَاسَ هو الغاشي، والعرب تقول: (غَشِيَنِي النُّعاسُ) ، وقلّما تقول: (غَشِيَني الأمْنُ) .
و - أيضًا - فإنَّ النعاسَ مذكورٌ بالغِشْيَانِ في قوله: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: 11] ولأن النعاسَ يَلِي الفِعْلَ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذِكْرِ الغِشْيانِ مِنَ الأمَنَة. فالتذكير أولى.
ومن قرأ بالتَّاءِ: جعل الأمَنَةَ هي الغاشِيَةَ.