فقال بعضَ النحويِّين: إنها مُتَّصِلَة بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} كأنه قال: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} ، {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} ، لأن في عَفوِهِ - جلَّ وعَزَّ - ، ما يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ وَحُزْنٍ. وقال آخرون: إنها مُتَّصِلَةٌ بقوله: {فَأَثَابَكُمْ} .
ثُمْ اختلفوا:
فَقَالَ أبو إسحاق: المعنى: أثابكم غَمَّ الهزيمة، بِغَمِّكُمْ النبيَ - صلى الله عليه وسلم - بِمُخَالَفتِهِ، ليكون غَمُّكُمْ، بأن خالفتموه فقط، لا على ما فاتكم مِنْ غَنِيمة، ولا ما أصابكم من هزيمة وجِرَاحٍ؛ وذلك أنَّ غَمَّ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ، يُنْسيهم غَمَّ فَوْتِ الغَنِيمَةِ.
وقال غيره: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يَتَأَسَّفُونَ على ما فاتهم مِنْ غَنائم المشركين، وعلى ما حَلَّ بهم مِنَ القَتْلِ والجراح، فأنزلَ اللهُ بقلوبهم غَمَّ قَتْلِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ثمّ أزال ذلك الغم عنهم؛ لِيَفرحوا ببقائه، ولا يحزنوا مع بقائه على شَيءٍ فَاتَهُمْ.
وقولُ أبي إسحاق ألْيَقُ بَظَاهِرِ الآية؛ لأنه ليس في الآية ذِكْرُ إزَالَةِ غَمِّ
قتلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، إلّا بأنْ يُقال: إنَّ ذلك الغَمَّ، لَمْ يتحققْ؛ لأنَّهُ لَم يَصْدُقْ نعْيُ الرسول.
وحُكي عن المُفَضَّلِ أنه كان يَجْعَلُ (لا) - في هذه الآية - صِلَةً، ويقول: المعنى: لِكَيْ تَحْزَنُوا على ما فاتكم وما أصابكم؛ عُقُوبَةً لكم في خِلافِكُمْ إيَّاهُ؛ كقوله: {لِئَلَّا يَعْلَمَ} [الحديد: 29] .
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . تذكيرٌ؛ للتَّحْذِير.
154 -قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} الآية.