والآية - عند الفراء - على التقديم والتأخير؛ لأنه يذهب إلى أن الفَشَلَ مُؤَخَّرٌ بعد التَّنازُع؛ والمعنى عنده: (حتى إذا تنازعتم في الأمر وعَصَيْتُم؛ فَشِلتم) . فقدم المؤخر وأخر المقدم؛ كقوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} .
وغيره يقول: الفَشَل في موضعه، غَيْرُ مَنْوِيٍّ به التأخير. والتنازع والعصيان كانا بعد الفَشَلِ.
والتنازع: الاختلاف. وأصله مِنْ: (نَزَعَ القومُ الشيء َ، بعضُهُم مِن بَعْضٍ) . وسنذكر شرحه عند قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59] ، إن شاء الله.
وكان اختلاف القوم: أن المشركين لَمَّا انكشفوا؛ قال بعضُ الرُّمَاةِ: ما مُقَامُنا هاهنا، قد انْهَزَمَ القومَ. وقال بعضُهم: لا نُجَاوِزُ أمْرَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ} . أي: بِتَرْكِ المَرْكَزِ.
وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} يعني: الظَّفَرَ والنَّصْرَ والفَتْحَ، حين كان الدَّبْرَةُ على المشركين.
وقوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني: الذين تَرَكُوا المَرْكَزَ، وأقْبَلُوا إلى النَّهْبِ.
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} يعني: الذين ثَبَتُوا مَعَ عبد الله بن جُبَيْر - وهو أمير الرُّمَاةِ - حتى قُتِلُوا.
وقوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} [أي] : بالهزيمة؛ على معنى: صَرَفَ وجوهَكُم عنهم.
وقال عَطَاء: يريد: صرف حدكم عنهم. وهذا صريح في أن [المعصيةَ مَخْلُوقَةٌ لله] عز وجل؛ حيث أضاف انهزامهم وتَوَلِّيهم إلى نفسه؛ فقال: {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} ، ولم يقل: (انْصَرَفْتُمْ) .
وقوله تعالى: {لِيَبْتَلِيَكُمْ} . أي: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَعَلَ عليكم مِنَ الدَّبْرَةِ والهزيمةِ، فَيَتَبَيَّنَ الصابرُ مِنَ الجازع، والمُخْلِصُ مِنَ المنافق.