قال المفسرون: كان المسلمون يوم أُحُد، يقتلون المشركين قتلا ذريعًا حتى وَلَّوْا هاربين، وانكشفوا منهزمين؛ فذلك قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} .
ثم أَخَلَّ الرُّمَاةُ بالمكان الذي ألزمهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إيَّاهُ، فَحَمَلَ - حينئذ - خالدُ بنُ الوَلِيد، مِن وَرَاء المسلمين، وتَرَاجَعَ المشركون، وقُتِلَ مِن المسلمين سبعونَ رجلًا، ثم هُزِمُوا.
وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} أي: جَبنْتُم عن عَدُوِّكم.
قال الليث: يقال: (فَشِلَ الرَّجُلُ، يَفْشَلُ) - عند الحَرْبِ والشِّدَّةِ: إذا ضَعُفَ، وذهبَتْ قُوَاهُ. ويقال: (إنه لفَشْلٌ) ، و (فَشِلٌ) .
واختلفوا في جواب {حَتَّى إِذَا} :
فقال الفراء: جوابه: {وَتَنَازَعْتُمْ} ، والواو فيه مُقْحَمَةٌ، معناها السقوط؛ كما قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ} ؛ المعنى: نَادَيْنَاه. واحتج بقول الشاعر:
حَتَّى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... ورَأَيْتُمُ أبْنَاءَكُمْ شَبُّوا
وقلبتمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُّ
قال: يريد: قَلَبْتُم. هذا مذهب الكوفيين.
وعند البصريين: لا يجوز زيادةُ الواو. ويتأولون هذه الآيةَ وأمثالَها،
على حذف الجواب، والتقدير عندهم: (حتى إذا فَشِلْتُمْ، وتَنَازَعْتُم في الأمر، وعَصَيْتُم، امْتُحِنْتُمْ؛ بأن نِيلَ منكم، وعُوقِبْتُم بِظَفَرِ أعدائكم بكم) ، فحذف الجواب؛ لبيان معناه؛ كما حذف في قوله - عز وجل -: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 35] ؛ معناه: فافْعَلْ. فأسقط الجواب؛ إذْ أُمِنَ اللَّبْسُ.