إن قيل: على ماذا عطف قوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ) ؟ ولمَ كرّر الابتلاء بعد أن ذكره فِي قوله: (لِيَبْتَلِيَكُمْ ؟ ولمَ علّق الأول بالذات كلها ، والثاني
بما فِي الصدور ؟ وما الفرق بين قوله: ما فِي الصدور ، وبين قوله:
ما فِي القلوب ، وخصّ ما فِي القلوب بالتمحيص ؟
قيل: أما ما عطف الابتلاء فعلى قوله: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) ، وفصل
بينهما بما هو تسديد الكلام وإشباع للمعنى ، وهذا جائز ، وقد
تقدم الكلام فِي نحوه ، ويجوز أن يتعلق بمضمرٍ دلَّ عليه ما
تقدم من قوله: (الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ) ، وأما تكريره
وتعليق الأول بالذات والثاني بما فِي الصدور ، فإن لله تعالى
تكليفين: الأحكام والمكارم كما تقدم ، والأحكام قبل المكارم.
وجُلُها متعلِّق بالضمائر ، وعملُ الجوارح فيها قليل ، فحيث
ما أراد منهم الحكم وهو الثبات فِي الحرب والجد بالجوارح ، علّق
الابتلاء بالجملة ، وحيث ما قصد المكارم من إصلاح الضمير.
من نقض الحزن ورفض الذعر ذكر الصدر ، وحينما ذكر الإِيمان
المحض ذكر القلب ، وكل موضعٍ يذكر الله فِي القرآن العقل.
والإيمان ، فإنه يخصُّ ذكر القلب ، وإذا أراد ذلك وسائر
الفضائل والرذائل ذكر الصدور ، وهذا إذا اعتُبر بالاستقراء
انكشف ، نحو قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) .
وقوله: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، وقوله: (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم) .
وقوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) .
وقوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) .
وقوله: (فِي صُدُورِ النَّاسِ) ، ولما كان التمحيص أخصَّ من الابتلاء
كما تقدم خصَّه بالقلب ، وهذه الأحوال الثلاث يترتب بعضها
على بعض ، فبإصلاح العمل يُتوصل إلى إصلاح ما فِي الصدور
من الشهوة والغضب ، وبهما وبإصلاح ذلك يَتوصل إلى إصلاح ما