إمّا لأن الثواب فِي الأصل ما يرجع إلى الإِنسان من ثمرة فعله خيراً كان أو شرّاً ، ولكن تعورف فِي الخير ، فإذا استعمل فِي المكروه فعلى اعتبار الأصل.
والثاني: أن ذلك على الاستعارة ، وضرب من التهكُّم
في كلامهم ، كقوله:
... تحيه بينهم ضرب وجيع
وقال بعض المحققين. إنما ذكر لفظ الإثابة هاهنا فِي الغمّ ، لأن
غمّهم وإن كان مكروهاً بالطبع فهو ثواب من الله من وجه ، لأنه
كان سبب تهذيب نفوسهم ، الذي بيّنه تعالى بقوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) ، وكل أمر يؤدي بالإنسان إلى أن يجعله بحيث
لا يقلقه فوت مطلوب وفقد محبوب فيا له من ثواب ، ولهذا
قال حكيم: جماع الزهْادة فِي قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)
فقوله: (غَمَّا) من المفسرين
من اعتبر الغمّين بالمسلمين وقال: أحدهما: ما وصل إلى قلوبهم من الفشل.
والثاني: الخوف. وقيل: أحدهما: مخالفتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - .
والثاني: فوت الغنيمة.
وقيل: ما سمعوا من قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -
وقيل: إشراف أبي سفيان عليهم.
والوجه: أن كل
ذلك مراد ، لأنه ليس يعني بذلك غمّين ، بل غموماً كثيرة متتابعة
متوالية كقولهم: لبّيك وقوله: (بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ)
أي نعمه متوالية ، ومنهم من اعتبر أحد الغمين بالمسلمين
والآخر بالكافرين. فقال: أنالوكم مثل ما أنلتموهم ، تنبيهاً
على معنى قوله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)
وقوله: (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي عالم به يخبركم به ، تنبيهاً
على ما قال: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .