(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) أي نصرة النبي فِي ترك
المكان والمبادرة إلى القتال.
وقيل: بل عنى بمن يريد الآخرة من أقام حافظاً لما استُحفظ.
وقوله: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) قيل: صرفهم إنما كان.
بمنع النُّصُرة وترك إنزال الملائكة عليهم والسكينة ، وبإخراج
ما فِي قلوب الذين كفروا من الرعب ، فبيّن أن لم يكن صَرفكم
عنهم خذلاناً لكم ، بل كان مؤاخذة لميلكم إلى الدنيا وابتلاءً
لكم ، كما بينه بقوله: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
وذكر أنه عفا عما كان منهم من مخالفتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وإخلالهم بالمركز ، قال الحسن: عفا عنهم ، إذ لم يستأصلهم.
فقد قتل منهم من قتل ، وكسر رباعيّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل: (عَفَا عَنْكُمْ) حيث عاقبكم فِي عاجل الدنيا ، وأفضل
عليكم بذلك لكونه موعظة لكم فِي معاودة مثله) ، ثم بيّن أن
الله ذو فضل فِي عفوه عنكم فِي انهزأمكم وفي صرفكم عنهم ، الذي
صار سببا لتهذيبكم وتمحيصكم ، وسبباً لأن تصيروا مجاهدين
في المستقبل ، فيعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ، فكل
ما هو سبب خير وإن كُره ففضل.
واختُلفَ فِي جواب (إِذَا) فقال الفرّاء: تقديره تنازعتم.
والواو مقحمة ، قال: وذلك يكثر مع إذا نحو (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ) أي: فتحت.
وقوله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ) أي ناديناه.
وقال ابن بحر:
ثم صرفكم جواب ، وتقديره صرفك ، وقال: ودخل (ثُمَّ)
في الكلام ، لأنه فِي المعنى مثل: إذا ، وكأنه رد لفظ إذا لما طال
الكلام ، كقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، ثم قال:
(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) فأعاد لمَّا لمَّا طال.