ابن عرفة: عبر عن المجاهدين بالفعل، وعن الصابرين بالاسم؛ لأن الصبر عام فلا توجد عبادة من العبادات إلا مع الصبر، فلذلك عبر بما تقتضي الثبوت واللزوم لعمومه، وأيضا فالجهاد متلف للنفس، وكل عبادة مما سواه هي مشقة على النفس فقط، والصبر على المتلف للنفس ألزم، وأقوى من الصبر، فلذلك عبر عن الصبر بالاسم.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ... (143) }
ابن عرفة: هذا تعارض قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم"لَا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية"، فالجواب: أن ذلك كان في أول الإسلام حيث كان الكفر كثيرا، والإسلام قليلا فنهوا عن تمني لقاء العدو، ثم قعد وكسع عن قتاله حين اللقاء أشد عقاب ممن لَا يتمنون لقاء العدو، ولا خطر له ببال.
قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ... (144) } .. قال ابن عرفة: تضمنت الآية أمرين
أحدهما: أنه من البشر، كقوله تعالى: (قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُمْ) فوصف الرسالة فيه ليس ذاتيا له بل هو اختصاص من الله تعالى.
الثاني: العتب على من هم بالردة من المسلمين في غزوة أحد لما صرخ الصارخ بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قتل، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، فأخبر الله تعالى بأن الرسل من قبله قد ماتوا وثبتت أممهم على دينهم، ولم
يرتدوا عنه بوجه والحصر على بابه وحقيقته؛ لأن وصف الرسالة يستلزم جميع أوصاف الكمال؛ لأنه معصوم.
قيل لابن عرفة: ليس الحصر على بابه؛ لأنه لم يكن رسولا قبل البعث، فالقضية حينيه، وليست دائمة، قال: وكل قضية لَا تقتضي الدوام.
قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) .
وقرئ (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُلٌ) ، ابن عطية: قراءة التعريف تعظيم وتفخيم وتنويه بهم، وقراءة التنكير تسير الأمر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في معنى الحياة فكان تنوية بينه وبين النبيين عليه عليهم وعليهم وعلى آلهم السلام في ذلك.
قال ابن عرفة: أراد أنه خلت من قبلكم رسل كثيرة وهلكوا بموت بعضها كاف في الرد عليكم في قولكم: لو كان نبيا ما قتل.