عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} قَالَ: «كَتَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُقَاتِلُ يُقْتَلُ، وَلَكِنْ يُقْتَلُ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ الَّذِينَ وَلَّوْا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْهَزَمُوا عَنْهُمْ، وَقَوْلُهُ: {تَوَلَّوْا} تَفَعَّلُوا، مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَّى فُلَانٌ ظَهْرَهُ، وَقَوْلِهِ: {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}
يَعْنِي: يَوْمَ الْتَقَى جَمْعُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ، {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} أَيْ إِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى الزَّلَّةِ الشَّيْطَانُ، وَقَوْلُهُ اسْتَزَلَّ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الزَّلَّةِ، وَالزَّلَّةُ: هِيَ الْخَطِيئَةُ {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}
يَعْنِي: بِبَعْضِ مَا عَمِلُوا مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَعْيَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا كُلُّ مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ خَاصٌ مِمَّنْ وَلَّى الدُّبُرَ يَوْمَئِذٍ، قَالُوا: وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الَّذِينَ لَحِقُوا بِالْمَدِينَةَ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي رِجَالٍ بِأَعْيَانِهِمْ مَعْرُوفِينَ
قَالَ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} قَالَ: «نَزَلَتْ فِي رَافِعِ بْنِ الْمُعَلَّى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، وَرَجُلٍ آخَرَ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَلَقَدْ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِتَوَلِّيهِمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}
يَعْنِي بِهِ: مُغَطٍّ عَلَى ذُنُوبِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ بِعَفْوِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهَا.
{حَلِيمٌ}
يَعْنِي: أَنَّهُ ذُو أَنَاةٍ، لَا يُعَجِّلُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ بِالنِّقْمَةِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 6/}