فَجَعَلَ الْعَطَاءَ الْعُقُوبَةَ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِآخَرَ سَلَفَ إِلَيْهِ مِنْهُ مَكْرُوهٌ: لَأُجَازِيَنَّكَ عَلَى فِعْلِكَ، وَلَأُثِيبِنَّكَ ثَوَابَكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {غَمًّا بِغَمٍّ} فَإِنَّهُ قِيلَ: غَمًّا بِغَمٍّ، مَعْنَاهُ: غَمًّا عَلَى غَمٍّ، كَمَا قِيلَ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ، بِمَعْنَى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: أَثَابَكَ اللَّهُ غَمًّا عَلَى غَمٍّ: جَزَاكَ اللَّهُ غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ تَقَدَّمَهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ مَعْنَى: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَجَزَاكُمُ اللَّهُ غَمًّا بِعَقِبِ غَمٍّ تَقَدَّمَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَزَلْتُ بِبَنِي فُلَانٍ، وَنَزَلْتُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، وَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، وَعَلَى السَّيْفِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْغَمِّ الَّذِي أُثِيبَ الْقَوْمُ عَلَى الْغَمِّ، وَمَا كَانَ غَمَّهُمُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الْغَمُّ الْأَوَّلُ، فَكَانَ مَا تَحَدَّثَ بِهِ الْقَوْمُ أَنَّ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، وَأَمَّا الْغَمُّ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ غَمُّهُمُ الْأَوَّلُ كَانَ قَتْلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَجَرْحَ مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ، وَالْغَمُّ الثَّانِي كَانَ مِنْ سَمَاعِهِمْ صَوْتَ الْقَائِلِ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْغَمُّ الْأَوَّلُ مَا كَانَ فَاتَهُمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ؛ وَالثَّانِي إِشْرَافُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَيْهِمْ فِي الشِّعْبِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِيمَا زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ لَمَّا أَصَابَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَ، وَهَرَبَ الْمُسْلِمُونَ، جَاءَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِعْبٍ أُحُدٍ الَّذِي كَانُوا وَلَّوْا إِلَيْهِ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ، فَخَافُوا أَنْ يَصْطَلِمَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ.