قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {إِذْ تُصْعِدُونَ} بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، بِمَعْنَى السَّبَقِ وَالْهَرَبِ فِي مُسْتَوَى الْأَرْضِ، أَوْ فِي الْمَهَابِطِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ، فَفِي إِجْمَاعِهَا عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: أَصْعَدُوا فِي الْوَادِي، وَمَضَوْا فِيهِ، دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: صَعِدُوا عَلَى الْجَبَلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَا تَعْطِفُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ، وَلَا يَلْتَفِتْ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ هَرَبًا مِنْ عَدُوِّكُمْ مُصْعِدِينَ فِي الْوَادِي.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أُخْرَاكُمْ، يَعْنِي أَنَّهُ يُنَادِيكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ: «إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ}
يَعْنِي: فَجَازَاكُمْ بِفِرَارِكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ، وَفَشَلِكُمْ عَنْ عَدُوِّكُمْ، وَمَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، يَقُولُ: غَمًّا عَلَى غَمٍّ. وَسَمَّى الْعُقُوبَةَ الَّتِي عَاقَبَهُمْ بِهَا مِنْ تَسْلِيطِ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَالَ مِنْهُمْ مَا نَالَ ثَوَابًا، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِمُ الَّذِي سَخَطِهِ وَلَمْ يَرْضَهُ مِنْهُمْ، فَدَلَّ بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ كَالْمُعَوَّضِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْعَمَلِ، خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، أَوِ الْعِوَضُ الَّذِي بَذَلَهُ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَوْ يَدٌ سَلَفَتْ لَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ اسْمَ ثَوَابٍ كَانَ ذَلِكَ الْعِوَضُ تَكْرِمَةٌ أَوْ عُقُوبَةً، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
أَخَافُ زِيَادًا أَنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ ... أَدَاهَمَ سُودًا أَوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرَا