وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ بَعْدِ الَّذِي أَرَاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِالْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ هُوَ الْهَزِيمَةُ الَّتِي كَانُوا هَزَمُوهُمْ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ تَرْكِ الرُّمَاةِ مَقَاعِدَهُمُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْعَدَهُمْ فِيهَا، وَقَبْلَ خُرُوجِ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ فَشِلْتُمْ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ، إِنَّهُ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَإِنَّ الْوَاوَ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ،
وَمَعْنَاهَا: السَّقُوطُ كَمَا قُلْنَا فِي: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ} ، مَعْنَاهُ: نَادَيْنَاهُ، وَهَذَا مَقُولٌ فِي «حَتَّى إِذَا» وَفِي «فَلَمَّا أَنْ» ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} ثُمَّ قَالَ: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} وَمَعْنَاهُ: اقْتَرَبَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
حَتَّى إِذَا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... وَرَأَيْتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا
وَقَلَبْتُمُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ لَنَا ... إِنَّ اللَّئِيمَ الْعَاجِزُ الْخِبُّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}
يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} الَّذِينَ تَرَكُوا مَقْعَدَهُمُ الَّذِي أَقْعَدَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ لِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَحِقُوا بِمُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ طَلَبَ النَّهْبِ إِذْ رَأَوْا هَزِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: الَّذِينَ ثَبَتُوا مِنَ الرُّمَاةِ فِي مَقَاعِدِهِمُ الَّتِي أَقْعَدَهُمْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَهُ، مُحَافَظَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.