{وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} : عليم بجلائل أعمالكم ودقائقها, لا يخفى عليه من ذلك شيء. وهو يثيبكم أو يعاقبكم على ما يكون منكم. فخافوا بأسه. وارجوا ثوابه.
134 - {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا. . .} الآية.
المعنى: أن الله سبحانه وتعالى، أكرم المؤمنين بالنعاس. بعد ما نزلت بهم الغموم لتطمئنَّ قلوبهم، ويهدأَ روعهم فإِنما ينعس من يأْمن. والخائف لا ينام.
وقد أنزل الله عليهم النعاس بعد المعركة وهم صافون، استعدادا لما يتوقعون من كَرَّةِ العدو عليهم، بعد أَن كان متجها إلى مكة.
روى الإِمام البخاري، عن أبي طلحة, قال:"غَشِيَنَا النعاسُ، ونحن في مصافّنا يوم أُحد. فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه".
وكان هذا من رحمة الله بهم بعد ما أصابهم.
{يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} : وهم المؤمنون والصادقون.
{وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} : وهم المنافقون الذين خرجوا مع الرسول، غير راغبين في الخروج. فقد كان هَمُّ هؤُلاءِ أنفُسهُم. فلم يغشَهم النعاس.
أما المؤمنون، فقد كان همهم الرسولَ وسلامتَه، حتى يأخذَ الإِسلام سبيله إلى قلوب العالمين، بقيادته وتوجيهه.
{يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة} : أي يظنون أن الله لا ينصر محمداً، وأَن دينه باطل، وأن الله لن يكون مع المؤمنين.
وهذا الظن لا يصدر عن قلب مؤمن. فلهذا وصفه الله بأنه: ظن الجاهلية. أي ظن أهل الجاهلية، الذين يجهلون أن الله ينصرُ رسلهُ، ويؤَيدُهم على أعدائهم.
{يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} : كان من رأي عبد الله بن أُبَيّ وسائر المنافقين: ألاَّ يخرجوا للقتال، بل يبقوا بالمدينة حتى يهاجَمُوا فيها من المشركين.
ولكن أكثر أصحاب الرسول - ممن لم يشهدوا بدرا - أصروا على الخروج، كما سبق بيانه. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأيهم. وقال مقالته المعروفة:
"ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أن يَضَعَ أداتَهُ بَعْدَ ما لَبِسَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بينَه وبَيْنَ عَدُوِّه".