وفي هذه الآية أيضًا: لَوْمٌ لمن خارت عزائمهم من المسلمين يوم أُحد، عند تَغلُّب الكفار عليهم، والإِرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقريعٌ لمن استكانوا حين أرادوا الاستعانة بابن أُبي - رأس المنافقين - في طلب الأمان من أَبي سفيان.
{وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} :
أي والله يرضى عن الصابرين، في البأساءِ والضراءِ، وحين البأس.
والمراد بالصَّابرين: إمَّا أُولئك المعهودون: الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحد .. وإما كل الذين يصدق عليهم هذا الوصف. وهو الأَرجح. ويدخل من ثبت في أُحُدٍ بالأولَى.
147 - {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} :
بعد أن بينت الآية السابقة، حسن أفعال الرِّبَّييَّن، جاءَت هذه الآية مبينة لحسن أقوالهم.
والمعنى: ما كان لهم قول - في حال الشدة وملاقاة الأعداءِ - إلا دعاؤُهم: أن يغفر الله لهم ذنوبَهُم وَتَجَاوُزَهم الحدَّ في أمرهم، بارتكاب ما عسى أن يكون لهم من كبائر، وأن يثبتَهم في مواطن الشدة بتأْييد من عنده.
{وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} :
أي واجعل الغلبة لنا على الذين يريدون أَن يطفئوا نور الله، وطمس معالم الهدى والرشاد. والنصر هو الغاية القصوى.
وقد قدَّموا في دعائهم طلب المغفرة لتصفوَ نفوسُهم، ويخلصوا من شوائب الذنوب، فيكونَ ذلك أقربَ إلى استجابة دعائهم، بتثبيت الأقدام والنصر، فإِن الله - سبحانه - إِنما يتقبل الدعاء من المتقين الطاهرين من الذنوب. واستغفارُهم من الصغائر والكبائر، وإضافتها إلى أنفسهم - مع أنهم رِبِّيُّون اتقياء - هضمٌ لأَنفسهم، واتهامٌ لها، وشعورٌ بالتقصير في جانب الله تعالى. وكذلك يكون حال المسلم مع الله تعالى.
148 - {فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. . .} الآية.
أي أعطاهم الله أجر الدنيا. وهو النصر والغنيمة، وطيب الذكر في الدنيا، ومنحهم ثواب الآخرة الحسن. وهو الجنة والرضوان، والنعيم المقيم.